THE MARINE ENVIRONMENT
تصدر عن المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية – العدد 101 / يوليو – سبتمبر 2014
طاقة من حرارة مياه المحيطات التوعية البيئية
الافتتاحية
التوعية البيئية ليست ترفا فكريا، وفي الوقت نفسه ليست شعارا جماهيريا، تسعى المؤسسات والجمعيات والمنظمات الوطنية والإقليمية والدولية إلى تحقيقه، ويبحّ الساسة وأشياعهم حناجرهم في الدعاية له، والمناداة به.
ولكن التوعية البيئية – مع الكمّ الهائل من المشكلات البيئية التي تعاني منها البشرية اليوم – صارت حاجة ملحة وضرورية. وحاجتنا إليها وإلى تفعيل برامجها لا تقل عن حاجتنا إلى الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله.
السبب بسيط: فأحوال البيئة لا تسر، وهي في تدهور مستمر، برغم غابة التشريعات البيئية التي نعيش فيها، وآلاف النشرات والكتيبات التي تحث قراءها على العمل على حماية البيئة والاقتصاد في استهلاك مواردها، والحد من إنتاج النفايات بشتى صورها.
التوعية البيئية هي حبل الإنقاذ الذي علينا أن نتشبث به، قبل أن تجرفنا أمواج التلوث العاتية، وقبل أن تطيح بنا أعاصير التغير المناخي القمعية، وقبل أن تنهار منظومة النظم الإيكولوجية، ونخسر التنوع الأحيائي برمته.
وفي مسيرتنا التوعوية، علينا أن نعمل على كل الجبهات، ونغطي كل الأماكن والجهات، بدءا من رياض الأطفال والحضانات، ومرورا بالمدارس والأماكن العامة والأندية والجمعيات والجامعات، وانتهاء برجال الأعمال والصناعة وكبار الشخصيات. فأي ثقب في مظلة العمل البيئي الجماعي سوف يكون منفذا لأمطار القذى، تنساب منه على رؤوس العباد، وأيضا على أعمدة الاقتصاد.
إننا بحاجة إلى علاج شامل متكامل لإصلاح سفينة البيئة المملوءة بالثقوب، وإن لم يتعاون الجميع بإخلاص وصدق فسوف يغمرنا المدّ الأحمر والأخضر والبني والأسود! ولن يكون من السهل دفع المفسدة، ناهيك عن إنقاذ الكوكب بكل من فيه وما فيه.
التوعية البيئية التي نرجوها ليست مطبوعات ولافتات، ولا نداءات استغاثة وشعارات، ولا تعليمات وتوجيهات، ولا خطب ومحاضرات، ولا لوائح وتشريعات. صحيح إن هذا يفيد إلى حد ما. ولكن المسألة أكبر من هذا وأعمق.
التوعية التي ننشدها هي تغيير المفاهيم والعادات، والمواقف والاتجاهات. هي أن يصبح السلوك البيئي القويم نابعا من قناعات ذاتية بأهمية المحافظة على مقومات البيئة الطبيعية برا وبحرا وجوا، وحماية مواردها وثرواتها.
التوعية التي نريدها هي تلك التي تجعل كل فرد في أية بقعة من الأرض رفيقا بيئته، ورقيبا على السلوكيات المؤثرة في البيئة من قبل أهله وزملائه ومن حوله.
التوعية التي ننشدها هي تلك التي ترتقي بالمبادئ التي تحكم سلوك الإنسان، حتى يصل إلى المنزلة التي تجعله يتعبد الله بالإحسان إلى الحيوانات والنباتات والجمادات، ويأمر بكل معروف بيئي، وينهى عن كل منكر إيكولوجي. وهي مهمة يسيرة على من يفهم ويعي، عسيرة على كل من تنكّب طريق الرشاد، وآثر الغفلة على اتباع النهج السوي.
ومع إطلالة العام الدراسي الجديد، فإننا في المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية نوجّه أنظارنا إلى المربين والمربيات، وإلى كل مسؤول في أي موقع تعليمي أو غير تعليمي، فندعوه إلى غرس حب البيئة في نفوس من معه أو حوله. وليكن هو نفسه قدوة لمن يتبعه أو اؤتمن عليه. فلا قيمة لأية نصيحة أو موعظة إذا لم يكن صاحبها ممارسا لمضمونها، إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه.
لتكن التوعية البيئية رسالة كل واحد منا في حياته. وليس هذا الطلب بغريب. فرعاية البيئة أمر محمود حثت عليه كل الرسالات السماوية. وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، ودخلت أخرى الجنة لكلب سقته. وفي كل كبد رطبة أجر كما قال نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ومرة أخرى وأخيرة نوجه دعوتنا للمربين والمربيات: امزجوا كل الأنشطة الدراسية بالبيئة، ولا تقصروها على مناهج العلوم، بل اجعلوها تشمل كل ما يقدم في المدارس، بما في ذلك حصص الرسم، والموسيقى، والرياضة، والتدبير المنزلي، وغيرها. كونوا دعاة للبيئة تسلموا وتبقى بيئتكم آمنة لكم ولأبنائكم من بعدكم.
ومن الله التوفيق، وبه نستعين.
أسرة التحرير
عرض المزيد
طاقة المحيطات:
نظيفة ومستدامة وواعدة (1)
هل يمكن للمحيطات أن تصبح غدا من أهم مصادر الطاقة الصديقة للبيئة؟
يقول المتفائلون: نعم. فالمحيطات لا تغطي معظم الأرض فقط، بل تضم كميات هائلة ومتجددة من الطاقة.
وهي تنافس طاقتي الشمس والرياح كمصدر للطاقة النظيفة التي لا ينجم عنها كربون. وإذا ما حققت تقنية
هذه الطاقة الناشئة وعدها فمن المحتمل أن تصبح في نهاية المطاف طاقة منخفضة الكلفة وحيوية كطاقة
الوقود الأحفوري والطاقة النووية. ومن يدري: ربما تصبح المصدر الرئيسي لطاقة القرن الواحد والعشرين.
خيال العلماء كان الحافز
يُعَدّ استخراج الطاقة من البحر حلما داعب خيال الكثيرين من قديم الأزل.
فللأمواج طاقة قوية وعنيفة، وهي في صعودها وهبوطها واندفاعها واصطداماتها تجعل أعظم السفن مثل
الريشة فوقها، لا حول لها ولا قوة. ولو أمكن اقتناص هذه الطاقة وتسخيرها لخدمة الإنسان لكان ذلك نصرا
مؤزرا ونجاحا ساحقا. وهناك أيضا طاقة المد والجزر التي تأتي من جاذبية القمر. ولو أمكن محاصرة المياه
عند ارتفاع المد، ثم التقاط ما بها من طاقة، من خلال بناء السدود الكهرومائية، لحصلنا على ما لم يحصل عليه
أحد من قبلنا، ولحصدنا طاقة نظيفة لا ينبعث منها جسيمات أو سخام، أو غازات تصيب البيئة بالمرض.
وبالإضافة إلى ما سبق، لاحظ الغواصون أن ثمة فارقا كبيرا بين درجة حرارة المياه عندما يكونون في الأعماق
وبين درجة حرارة المياه السطحية عندما يمارسون السباحة فوق متن البحر. فدرجة مياه البحر السطحية تكون
مرتفعة نسبياً بسبب أشعة الشمس، في حين تكون الحرارة في الأعماق منخفضة. وكم تساءل حصيف: ألا يمكن
تسخير تلك الطاقة الحرارية البحرية عن طريق استخراج الطاقة من تدفق الحرارة؟ ويحلم المعاصرون بأن ذلك
لو تحقق فسوف يتمكن البشر من إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء.
طاقة المحيطات إذن ثروة كامنة في مياهها، ومارد مأسور في قمقم بحاجة إلى من يفك عقاله ويحرره
من أسره. ولكن الإنسان قديما لم يكن قادرا على أن يروّض هذا المارد البحري. ومع ذلك، فإن خيال الأدباء كان
أسبق في البحث عن آلية للاستفادة من طاقة المحيطات. وخير من فعل ذلك هو كاتب الخيال العلمي: جول فيرن
Jules Verne (1828 – 1905). فقد ذكر في رواياته (عشرون ألف فرسخ تحت سطح البحر
Twenty Thousand Leagues Under the Sea)
أنه يمكن استخراج طاقة المحيطات الحرارية بإنشاء دائرة كهربائية بين سلكين موضوعين على أعماق سحيقة
في المحيطات، ومن ثم يمكن توليد الطاقة الكهربائية من خلال التباين في درجات حرارة هذين السلكين.
ما هي طاقة المحيطات؟
يمكن تعريف طاقة المحيطات بأنها الطاقة التي تعتمد على اختلاف درجات الحرارة ما بين الماء الموجود على
سطح المحيط والماء الموجود في العمق للاستفادة من هذا الاختلاف في خدمات مختلفة، أهمها توليد الكهرباء.
إن هذه العملية تتحقق عندما يكون الاختلاف في درجات الحرارة بين الطبقة العليا الدافئة للمحيط والطبقة
السفلى الباردة من 20 إلى 30 درجة مئوية، حيث إن هذه الشروط تتوافر في المناطق المدارية. وتعتمد هذه
المحطات على جلب المياه السفلى من قاع المحيط عن طريق زرع أنبوب ضخم ومرتفع الثمن والذي يغطس
في المحيط إلى نحو ميل أو أكثر.
وكما هي الحال في أي محرك حراري، فإن زيادة المردود تتناسب طردياً مع زيادة فروق درجات الحرارة بين المياه
السطحية والمياه العميقة. وتزداد هذه الفروق بين درجات الحرارة مع تناقص خطوط العرض، أي كلما اقتربنا
من خط الاستواء (عند المناطق المدارية).
وربما تبدو هذه الأفكار سهلة التطبيق، إلا أن وضع أنابيب على عمق 1000 متر في المحيطات، أمر قد يبدو صعب
التنفيذ، لا سيما مع ضرورة ضخ المياه إلى أعماق سحيقة بمحركات قوية تتحمل ضخ عدة أمتار مكعبة في الثانية
الواحدة لإنتاج ميجا واط واحد من الطاقة. وتحتاج هذه التقنية إلى فروقات في درجات الحرارة تصل
إلى 20 درجة مئوية بين سطح المحيط وأعماقه. ومثل هذه الظروف لا تتوفر إلا في نطاق ضيق من المحيطات،
التي تتمثل في المناطق المدارية شبه الاستوائية.
والتحديات التقنية التي واجهت استغلال طاقة المحيطات الحرارية عبر التاريخ كانت تتمثل في عدم توافر
إمكانية لتوليد الطاقة بشكل اقتصادي من فروق الحرارة القليلة بين الطبقتين العليا والسفلى, لكن التصاميم
الحديثة للمبادلات الحرارية heat exchangers أدت إلى تغير في المردود مما سمح للأداء بالاقتراب من القيمة
النظرية العظمى الممكن الحصول عليها.
وقد كانت المحطات الأولى لاستغلال طاقة المحيطات ذات مردود إجمالي يتراوح بين 1 % و 3 %. أما المردود
النظري لمثل هذه المحطات فإنه يتراوح بين 6 % و 7 %. والتصاميم الحالية لها مردود يقارب القيمة العظمى
للمردود النظري.
لمحة تاريخية
كانت هناك عدة محاولات لتحسين مردود تقنية طاقة المحيطات منذ القرن التاسع عشر الميلادي. وبعد
مرور 11 عاما على طباعة رواية (جول فيرن) السابق ذكرها، وبالتحديد في عام 1881، قام الفيزيائي الفرنسي
جاك أرسينيه دي أرسونفال Jacques-Arsène d’Arsonval (1850 – 1940) باقتراح فكرة الاستفادة مما جاء
في هذه الرواية عن فروق الطاقة الحرارية للمحيطات. ثم قام تلميذه جورجيس كلاود
Georges Claude (1870 – 1960)
بعرض أول نموذج عملي لمحطة لتوليد طاقة كهربائية باستخدام الوسيلة ذاتها، حيث استخدم أنابيب تم مدها
إلى أعماق سحيقة تحت الماء لتعمل على إنتاج طاقة البخار بالاستفادة من التباين في درجات حرارة المحيط. وقد
تم بناء هذه المحطة في كوبا عام 1930، حيث ولدت تلك المحطة طاقة بحدود 22 كيلو واط باستخدام عنفة
ذات ضغط منخفض.
وقد شهد القرن العشرون جهودا مثمرة أخرى في مجال استثمار طاقة المحيطات. ففي عام 1931 قام الفيزيائي
الكرواتي (الأمريكي لاحقا) نيكولا تسلا Nikola Tesla (1856 – 1943) بوضع مبدأ أول محطة كبيرة من هذا النوع،
ولكنه – رغم حماسه لهذه الفكرة – توصل إلى استنتاج أن التقنيات الهندسية المطلوبة لإنشاء مثل هذه المحطة
ليست متوافرة في عصره، مما جعل تنفيذ المشروع غير عملي من الناحية الاقتصادية.
وفي عام 1935 قام جورجيس كلاود بإنشاء محطة أخرى، ولكنها كانت هذه المرة على سطح سفينة شحن
cargo ship عملاقة ذات حمولة 10000 طن، وترسو بالقرب من شواطئ البرازيل. ومن المؤسف أن الطقس
والأمواج دمرا المحطتين قبل أن يتم الانتهاء من إنشائهما.
وفي 2 يوليو 1935، حصل كلاود مع بول بوتشرت Paul Boucheret على براءة اختراع أمريكية (رقم 2006985)
لنظام الدورة المفتوحة لطاقة المحيطات.
وفي عام 1927، نالت طاقة المحيطات شهرة واسعة النطاق عندما كتب ألبرت ج. إينجلس Albert G. Ingalls
مقالا في مجلة العلوم الأمريكية Scientific American عنوانه: “طاقة لا تنضب من مياه البحر: حلم أم نبوءة
Inexhaustible Power from Sea Water—a Dream or a Prophecy”
وفي عام 1956 بدأ علماء فرنسيون في إنشاء محطة باستطاعة 3 ميجا واط لإحدى مدن ساحل العاج،
ولم يتم إكمال هذه المحطة أبدا، وذلك بسبب انخفاض أسعار الوقود الأحفوري التي حدثت في الخمسينيات،
والتي جعلت من محطات الطاقة التقليدية الاستثمار الأمثل.
وفي عام 1962 قام جيمس هلبيرت أندرسون James Hilbert Anderson وولده بالبدء في تصميم دورة
يمكنها أن تكمل ما لم يحققه كلاود، حيث ركزا على أجزاء ذات تصاميم أكثر اقتصادية, وبعد أن عملا على حل
بعض المشكلات التي واجهت تصميم كلاود، قاما في عام 1967 بإطلاق تصميمهما، وهو عبارة عن
“الدارة المغلقة closed-cycle”.
وعقب أزمة النفط في السبعينيات، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية أبحاثها في هذا المجال. وقام الرئيس
الأميريكي الأسبق جيمي كارتر Jimmy Carter بالتوقيع على قانون يكفل إنتاج 10 آلاف ميجا واط من الكهرباء
باستخدام هذه التقنية اعتبارا من عام 1999، غير أن انخفاض أسعار النفط حالت دون تحقيق ذلك. وكانت
الخطوة الأهم هي ما حدث في عام 1974 من تأسيس لمختبر الطاقة الطبيعية
Natural Energy Laboratory of Hawaii (NELHA) على شواطئ كونا Kona في جزيرة هاواي. وقد أصبح هذا
المختبر من المنشآت الرائدة في مجال أبحاث طاقة البحار والمحيطات، وتعدّ هاواي من المواقع ذات المخزون
الأكبر من هذه الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بسبب مياه المحيطات السطحية الحارة، وإمكانية
الوصول إلى أعماق ذات مياه باردة، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الكهرباء فيها.
وفي عام 1979 نجح هذا المختبر، بالتعاون مع آخرين، في إجراء أول تجربة لتوليد الكهرباء من فرق حرارة سطح
وقاع المحيط OTEC باستخدام الدارة المغلقة. وقد تم وضع الجهاز المستخدم في التجربة على إحدى السفن
التي كانت ترسو قبالة ساحل تلك الجزيرة. وكانت هذه هي أول مرة تطبق فيها بنجاح نظرية الدورة المغلقة
لإنتاج الطاقة الكهربائية الصافية من حرارة مياه المحيط، حيث بلغت قيمة الطاقة المنتجة 50 كيلو واط.
وفي عام 1980 بدأت الهند سلسلة طويلة من الدراسات والأبحاث عن طاقة المحيطات. وما تزال الهند مستمرة
في رعاية الأبحاث المختلفة في مجال تطوير منشآت طاقة البحار والمحيطات البعيدة عن الشاطئ، ويتولى ذلك
حاليا المعهد الوطني لتكنولوجيا المحيطات (NIOT).
ومع أن اليابان لا تملك أي مخزون لطاقة المحيطات، فإنها كانت من المساهمين الأساسيين في تطوير هذه
الطاقة وتصديرها إلى بلدان لها مخزون من هذه الطاقة. وفي 14/10/1981 انتهت شركة طوكيو للطاقة
الكهربائية وتوشيبا من إنشاء محطة صغيرة لتوليد الكهرباء من طاقة المحيطات باستخدام الدورة المغلقة وذلك
في جمهورية ناورو Nauru (وهي عبارة عن جزيرة تقع في المحيط الهادي الجنوبي، إلى الجنوب من جزر مارشال).
وقد أنتجت هذه المحطة – عند تشغيلها – طاقة بقيمة 120 كيلو واط، يصرف جزء كبير منها (90 كيلو واط)
من أجل تشغيل المحطة، أما بقية الطاقة المنتجة (30 كيلو واط) فكان يصرف على مدرسة وبعض المنازل
المجاورة. وكان هذا الرقم وقتذاك قياسيا، إذ لم تكن هناك محطة أخرى تنتج طاقة من حرارة مياه المحيطات
تعادل إنتاجية تلك المحطة على مستوى العالم. وفي الوقت نفسه، كانت هذه المحطة هي الوحيدة التي تم
وصلها بنجاح بشبكة الكهرباء العامة، وقامت بتغذيتها بها في وقت بنائها.
وفي عام 1993، سجّل مختبر الطاقة الطبيعية في جزيرة هاواي رقما قياسيا جديدا للدارة المفتوحة لتوليد
الكهرباء من حرارة المحيطات، حيث بلغت قيمة الطاقة المنتجة 50 كيلو واط. وبعد ست سنوات، قام المختبر
باختبار محطة أخرى تعمل بنظام الدارة المغلقة، حيث نجحت تلك المحطة بتوليد كهرباء قيمتها 120 كيلو واط.
وفي عام 2008 قامت الهند بإنشاء محطة تجريبية طافية بعيدة عن الشاطئ إنتاجيتها ميجا واط واحد، وذلك
في كولاسيكاراباتينام Kulasekarapattinam بولاية تاميل نادو Tamil Nadu.
وفي عام 2009 تعاقدت البحرية الأمريكية مع شركة لوكهيد مارتن Lockheed Martin لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء
من حرارة المحيطات في هاواي، تتراوح إنتاجيتها بين 5 إلى 10 ميجا واط، ورصدت لذلك ميزانية قدرها 12.5 مليون
دولار. ومن المخطط له أن تنتهي الشركة من بناء هذه المحطة في عام 2015.
الأساس العلمي لمحطات طاقة المحيطات
تُعَدُّ المحيطات مكمن تخزين للطاقة الشمسية، التي تتركز معظمها في المائة متر الأولى من سطح المحيط.
فعلى سبيل المثال، نجد أن درجة حرارة سطح المحيطات في المناطق المتاخمة لخط الاستواء تبلغ نحو
27 درجة مئوية. وعلى عمق 100 متر من نفس النقطة التي يتم قياس الحرارة السطحية عندها، تصل درجة
الحرارة إلى أربع درجات مئوية. أما في بقية المناطق المحيطية الأخرى، فإن درجة حرارة مياه الأعماق
قد تصل إلى نحو 5 درجات مئوية، وذلك على عمق 1000 متر.
وفي دائرة ديناميكية حرارية thermodynamic مغلقة فإن الماء الدافئ سينقل حرارته إلى أي مائع ذي درجة
غليان أقل من الماء مثل الأمونيا أو الفريون، وهذا المائع يمكن نقل طاقته لتوربينة غازية تولد حركة ميكانيكية،
ثم يجري تكثيف البخار بفعل الماء البارد في الأعماق لتكتمل الدورة.
ولتوليد طاقة من هذه الفروقات الحرارية فإن الأنظمة الحديثة تعمل اليوم على ضخ مادة سائلة مثل الأمونيا
في أنابيب توضع على سطح المياه الدافئة. أما سبب اختيار الأمونيا لهذا الغرض فيرجع إلى كونها تتصف بدرجة
غليان منخفضة. وعند بدء الأمونيا في الغليان يتكون بخار يستخدم في إنتاج طاقة المحركات المولدة للطاقة
الكهربائية. ويتم بعد ذلك ضخ مياه المحيطات العميقة الباردة عبر الأنابيب مرة أخرى لتتكثف الأمونيا مجددا
وتتحول إلى سائل، ومن ثم تبدأ العملية من جديد.
ومن المعروف أن التوربينات المستخدمة حاليا في محطات توليد الطاقة الكهربائية تعمل بالبخار الناتج من حرق
الفحم الملوث للبيئة، الذي قد يولد مخلفات يصعب التخلص منها. ولهذا فإن محطات توليد الكهرباء من طاقة
المحيطات تعد أفضل لكونها لا تنتج أية انبعاثات كربونية.
الاقتصاد الأخضر (٢)
حتمية الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر
الاقتصاد الأخضر في نظر الكثيرين ضرورة حتمية، تفرضها حالة التدهور البيئي التي آل إليها كوكبنا، والتي عجزت عشرات الاتفاقيات والمعاهدات الدولية عن وقفها، وأخفقت هيئات ووكالات ومنظمات حماية البيئة في وقف الأنشطة المسببة لها. فما حدث بعد إستوكهولم (في مؤتمر البيئة والإنسان عام 1972)، هو أن تم نقل مراكز الصناعات السوداء من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة. ودفنت النفايات النووية والخطرة التي أنتجتها دول الشمال في صحارى ومياه دول الجنوب. وكانت نتيجة ذلك أن ازدادت الشركات العملاقة ثراء، فالأيدي العاملة في الدول النامية رخيصة، والأسواق قريبة على مرمى حجر! وفي المقابل، ازدادت بيئة تلك الدول اسودادا، وتسربل معظم أهاليها بغبار معدني، أو بسناج كربوني، أو بفقر مستدام سرمدي. وقد حدث هذا الإفساد البيئي في ظل أنظمة استبدادية في الدول النامية، وشركات أخطبوطية تمارس أنشطتها فيما وراء البحار!
ولأن عجلة التغيير بطيئة دائما في سرعتها، والتغيير نفسه يحتاج إلى تغيير في العقلية وفي الآلية وفي الاتجاهات السلوكية، وإلى رجال تميز بين الخبيث والطيب، والمفسدة والمصلحة، فإن هز جذوع الاقتصاد البني، وخلخلة جذوره الضاربة في الأمكنة والأزمنة والأفئدة، تتطلب التخلص من عقدة الافتتان بالقديم، والإخلاص للماضي حتى ولو أدى ذلك إلى حصاد الهشيم وقبض الريح. صحيح أن لكل قديم بهجته، وسطوته أيضا، ولكن الخطأ لا يبرره استمراريته لقرون.
لهذا، فإن الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، سيتطلب توافر (أو توفير) ظروف معينة تهيء له المناخ المناسب للنمو والازهرار، والتقدم والازدهار. وبصفة عامة، تتشكل هذه الظروف من مجموعة متكاملة من الأنظمة والآليات التي تضم في كنانتها: التشريعات واللوائح الوطنية، والسياسات البيئية، وسبل الدعم والحوافز المادية، والهياكل القانونية، والحماية السوقية، والبروتوكولات الخاصة بالمساعدات والتجارة الدولية، واحترام الأنظمة الإيكولوجية، وقبل ذلك كله وبعده: المساواة الاجتماعية بين كافة طوائف المجتمع، بمعنى ضمان حق كل مواطن في هواء لطيف، وماء نظيف، وعمل شريف.
ومن المؤسف، والمحزن أيضا، أن الظروف السائدة حاليا تميل إلى الاقتصاد البني، وتشجّعه، وهو الذي يعتمد بدوره على الوقود الأحفوري بشدة. فقد تجاوز إجمالي الدعم الإنتاجي والسعري للوقود الأحفوري، على سبيل المثال، 650 مليار دولار أمريكي في عام 2008 م. أما دعم مصادر الطاقة النظيفة فلا محل له من الإعراب! ويمكن أن يؤثر المستوى المرتفع من الدعم للوقود الأحفوري سلبًا على التحوّل لاستخدام الطاقة المتجددة. وعلى النقيض من ذلك، يمكن للظروف التي تمكّن للاقتصاد الأخضر من النشوء والاستمرار أن تمهد الطريق نحو نجاح الاستثمارات العامة والخاصة في تخضير اقتصاديات العالم. ومن أمثلة تلك الظروف على المستوى الوطني: تغيير السياسات المالية، وتقليل الدعم المضرّ للبيئة وإصلاحه، واستخدام أدوات جديدة مبنية على السوق، وتوجيه الاستثمارات العامة لقطاعات (خضراء) مهمة، وتخضير المشتريات العامة، وتحسين القواعد واللوائح البيئية، بالإضافة إلى سبل تطبيقها. وعلى المستوى الدولي، توجد هناك أيضًا فرصٌ لإضافة بنية تحتية للسوق، وتحسين تدفق التجارة والمعونات بين الشمال والجنوب، وتعزيز قدر أكبر من التعاون الدولي لإنقاذ كوكبنا: بيئة وبشرا، وريفا وحضرا، وبرا وبحرا.
خرافات ومفاهيم خاطئة
كأي مذهب جديد، أو اتجاه مخالف للمألوف، تكون هناك دائما معارضة لتبني ذلك المذهب أو مؤازرة هذا الاتجاه. ومن طبيعة الأفكار الجديدة أن تزلزل طبيعة سير الأمور. وليس الاقتصاد الأخضر استثناء من ذلك. فقد شابت الدعاية له العديد من الإشاعات المغرضة، والخرافات غير العلمية، والمفاهيم الخاطئة. ولعل أكثر تلك الخرافات انتشارًا هي وجود مقايضة حتمية بين الاستدامة البيئية والتقدم الاقتصادي. والقائلون بذلك يرون أن المحافظة على الموارد البيئية وعلى سلامة البيئة المحيطة تتعارض كلية مع التنمية الاقتصادية وتحقيق الأرباح التجارية.
وهناك خرافة أخرى تقول بأن الاقتصاد الأخضر رفاهية لا يقدر على تحمّل ثمنها سوى الدول الغنية. والأسوأ من ذلك تلك المقولة التي يزعم أصحابها أن ذلك النوع الجديد من الاقتصاد عبء ثقيل تفرضه الدول المتقدمة على الدول النامية لتقييد التقدم وإدامة الفقر فيها.
وقد قام برنامج الأمم المتحدة للبيئة بإعداد تقرير عنوانه: (نحو اقتصاد أخضر). وقد استهدف بذلك تفنيد مثل هذه الخرافات والمفاهيم الخاطئة عن اقتصاديات (تخضير) الاقتصاد العالمي. كما استهدف أيضا إعطاء توجيهات عملية في وقتها المناسب لواضعي السياسات حول الإصلاحات التي يحتاجون إليها للحصول على ما يمكن أن يقدمه الاقتصاد الأخضر من زيادة في العمالة والإنتاجية.
وفيما يتعلق بالخرافة الأولى حول وجود تعارض بين الاستدامة البيئية والتقدم الاقتصادي وتحقيق الثروة، فإن المدافعين عن الاقتصاد الأخضر يرون أن هناك أدلة ملموسة الآن توضّح أن تخضير الاقتصاد لا يمنع من بناء الثروة، ولا يحجب فرص العمل، وأن هناك العديد من القطاعات الخضراء التي تتوافر فيها فرص استثمارية معتبرة، بما يصحب ذلك من نمو في الثروة وفرص العمل.
وفيما يتعلق بالخرافة الثانية، فإن أنصار تبنّي منهج الاقتصاد الأخضر يضربون العديد من الأمثلة التي تمت (أو يتم) فيها التحول إلى الاقتصاد الأخضر في العديد من القطاعات في العالم النامي، والتي تستحق المحاكاة والتكرار في أماكن أخرى.
آلية التحوّل المطلوب
ومع ذلك، علينا أن نقرّ بأن التحول المطلوب لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها. فمن سُنّة التغيير أنها تتم بالتدريج وباطراد، وتتطلب زمنًا لتقبّل الخروج عن المألوف واعتناق الفكر الجديد. وهذا يعني أن الأمر يتطلب توفير ظروف جديدة لتشجيع الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، والتمكين لبرامجه من أن تجد من يتحمس لها، ويعمل على تنفيذها، أو على الأقل، لا يضع عوائق أمامها. ومثل هذا الأمر يحتاج أيضا إلى تغيير اتجاهات وسلوكيات، والتخلي عن الأنماط التقليدية من الأنظمة والأعراف الاقتصادية السائدة. ولا يمكن أن تقتصر هذه المهمة على صانعي القرارات وموجهي السياسات الاقتصادية فقط، بل يقع عبؤها أيضا على منظمات المجتمع المدني والبيئيين والتربويين والإعلاميين في شتى أنحاء العالم.
ولتعزيز التحوّل إلى الاقتصاد الأخضر، دعا برنامج الأمم المتحدة في عام 2008 إلى الاتفاقية الخضراء العالمية الجديدة Global Green New Deal، التي يرمز لها اختصارا بالأحرف GGND. وتوصي هذه الاتفاقية بمجموعة من الاستثمارات العامة والسياسات التكميلية والإصلاحات السعرية التي تهدف لبدء الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، وتبعث الحيوية في الاقتصاد وسوق العمل، وتتعامل مع الفقر المستديم في الوقت نفسه. وكان مقترح هذه الاتفاقية البيئية الجديدة قد صُمِّم كرد فعل سياسي مناسب للأزمة الاقتصادية. كما كان ناتجًا مبكرًا من نواتج مبادرة الأمم المتحدة للاقتصاد الأخضر.
ويشير تقرير (نحو اقتصاد أخضر) – الذي يمثل الناتج الرئيسي من مبادرة الاقتصاد الأخضر – إلى أن تخضير الاقتصاد لا يمثل معوقًا للنمو بشكل عام، ولكنه – على العكس من ذلك – يمثل محركًا جديدًا للنمو. كما يبين أنه مولِّد لوظائف جيدة، وأنه إستراتيجية حيوية لاستئصال الفقر المستديم.
وثمة ثلاثة عناصر يمكن من خلالها تحفيز واضعي السياسات على توفير الظروف المناسبة لزيادة الاستثمارات في التحول نحو الاقتصاد الأخضر. وهذه العناصر هي:
1- ثمة جدوى اقتصادية لتوجيه الاستثمار، سواء أكان عامًّا أم خاصًّا، نحو نقل القطاعات الرئيسية المهمة لتخضير الاقتصاد العالمي. ويضرب التقرير – السابق الإشارة إليه – أمثلة ليبين كيف سيحدث ذلك. فالوظائف الخضراء الجديدة – التي ستُستحدث مع تفعيل برامج الاقتصاد الأخضر – سوف تُعوِّض الخسائر التي ستقع في الوظائف التقليدية للعاملين في الاقتصاد البني في أثناء عملية الانتقال من هذا الاقتصاد إلى الاقتصاد الأخضر.
2- إن الاقتصاد الأخضر يمكنه أن يقلل من الفقر المستديم في نطاق عريض من القطاعات المهمة كالزراعة، والغابات (الحراجة)، والمياه العذبة، والطاقة. وتساعد الحراجة المستدامة، وطرق الزراعة الصديقة للبيئة على الحفاظ على خصوبة التربة والموارد المائية بوجه عام، وبخاصة زراعة الكفاف التي تعتمد عليها حياة ما يقرب من 1.3 مليار نسمة.
3- إعطاء توجيهات بخصوص السياسات التي تحقق عملية الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، مثل: التقليل أو التخلص من الدعم الفاسد أو المضاد للبيئة، والتعامل مع حالات إخفاق الأسواق الناجمة عن منح مزايا خفية أو إعطاء معلومات ناقصة، وتقديم الحوافز المبنية على السوق، ووضع الأطر للوائح والمشتريات العامة الخضراء، وتحفيز الاستثمار.
أين نحن من الاقتصاد الأخضر؟
ثمة تقارير أعدتها منظمات وهيئات دولية تفيد بأن الاقتصاد العالمي قد تضاعف أربع مرات على مدار ربع قرن، وأنه استفاد في ذلك من مئات الملايين من البشر. وفي مقابل ذلك، حدث تدهور أو استخدام بطريقة غير مستدامة لنحو 60 % من الخدمات والسلع الإيكولوجية التي تعتمد عليها معيشة البشر جميعا. ويُعزى هذا التدهور بالطبع إلى أن النمو الاقتصادي الذي تحقَّق في العقود الأخيرة كان ناجمًا – بصورة أساسية – عن طريق السحب من الموارد الطبيعية، دون السماح للمخزون الإيكولوجي بالتجدد (أو إعادة التولد)، وعن طريق السماح بخسارة وتدهور واسع النطاق للأنظمة البيئية (الإيكولوجية). وعلى سبيل المثال، فإن 20 % فقط من سلالات الأسماك التجارية غير مستغلة اليوم، ومعظمها من الأنواع رخيصة الثمن، في حين يُستغل 52 % من الأنواع بالكامل دون وجود مجال للتوسع، ويُستغل 20 % من تلك السلالات بشكل أكثر من اللازم بحيث لا يتيح فرصة لها للتوالد وتعويض ما يُفقد منها، وفي الوقت نفسه، نضب 8 % من تلك السلالات.
أما المياه الصالحة للاستخدام، فإنها في طريقها إلى الندرة. ومن المتوقع أن يزيد الإجهاد المائي بحيث تكفي إمدادات المياه 60 % فقط من احتياجات العالم بعد 20 عامًا.
وقد زاد الإنتاج الزراعي أساسًا نتيجة لاستخدام الأسمدة الكيميائية، مما قلل من جودة التربة، وأخفق في كبح جماح الاتجاه المتزايد لإزالة الغابات – الذي بقي بمعدل 13 مليون هكتار من الغابات سنويًا في الفترة من عام 1990 إلى 2005 م. ولذا فإن الندرة الإيكولوجية تؤثر بشدة في سلسلة القطاعات الاقتصادية بالكامل، التي تمثل حجر الأساس لإمدادات الأغذية للإنسان، مثل مصائد الأسماك، والزراعة، والمياه العذبة، والحراجة، والتي تمثل مصدرًا حيويًا لمعيشة الفقراء. وإن الندرة الإيكولوجية والافتقار للمساواة الاجتماعية علامتان مميزتان لاقتصاد بعيد تماما عن كونه أخضر. وفي الوقت نفسه، يعيش أكثر من نصف سكان العالم، وللمرة الأولى في التاريخ، في المناطق الحضرية. وتعدُّ المدن حاليًا مسؤولة عن 75 % من استهلاك الطاقة، وعن 75 % من الانبعاثات الكربونية. وتؤثر المشكلات المتزايدة والمرتبطة ببعضها البعض – من زحام، وتلوث، وسوء تقديم للخدمات – في الإنتاجية والصحة العامة للجميع، وهي أكثر وطأة على الفقراء الذين يعيشون في المناطق الحضرية. وتتعاظم الحاجة للتخطيط الذكي للمدن؛ نظرًا لأن 50 % من سكان العالم يقطنون الآن في مناطق جديدة تتحول بسرعة إلى الصبغة الحضرية، وينتظر أن تشهد ارتفاعًا في مستوى الدخل والقدرة الشرائية، واتساعًا كبيرًا في البنية الحضرية في السنوات القادمة.
وسيتباين الانتقال للاقتصاد الأخضر بين الدول، نظرًا لاعتماده على رؤوس الأموال البشرية والطبيعية لكل دولة، وعلى المستوى النسبي لتقدمها. وهناك العديد من الفرص السانحة لجميع الدول في مثل هذا الانتقال. وقد وصلت بعض الدول إلى مستويات عالية من التنمية البشرية، ولكن عادة ما يكون ذلك على حساب قاعدتها من الموارد الطبيعية، وجودة بيئتها، وارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري فيها. ويكمن التحدي الذي تواجهه هذه الدول في خفض نسبة بصمتها البيئية للفرد دون التأثير في جودة الحياة فيها. ولا تزال بعض الدول الأخرى تحافظ على نسبة منخفضة لبصمتها البيئية للفرد، ولكنها تحتاج إلى تحسين مستويات الخدمات والرفاهية المادية لمواطنيها. ويكمن التحدي بالنسبة لتلك الدول في تحقيق ذلك دون زيادة بصمتها البيئية بشدة. وجميع دول العالم تقريبًا يؤثر فيها أحد هذين التحديين.
الآفاق المستقبلية للاقتصاد الأخضر
كأي برنامج عمل للمستقبل، فإن نجاح هذا البرنامج مرهون بمدى الإخلاص والحرص في تنفيذه، والالتزام النابع من القناعة بأهميته. وقد يرى بعض المتفائلين أن الاقتصاد الأخضر أمر يمكن تحقيقه بالتعاون الدولي، والتآزر الوطني. وهو بالفعل يتطلب ذلك حتى يصير واقعا، ويؤتي ثماره المرجوة. وعلى النقيض من ذلك، قد يرى المتشائمون أن الاقتصاد الأخضر حلم جميل، لا يمكن تحقيقه في الواقع. ولكن كم حقق العلم في العصر الحديث من أحلام، كان ينظر إليها في الماضي على أن الوصول إليها لا يكون إلا في عالم الخيال. وبعيدا عن النظرة التفاؤلية أو التشاؤمية، فإن الحال التي وصلت إليها بيئة كوكبنا، تربة وهواء وماء وبشرا وأحياء، تتطلب منا أن نسارع بإنقاذها. فلا سبيل أمامنا غير ذلك.
وبإمكان سياسات الاقتصاد الأخضر وإستراتيجياته ومبادراته أن تضمن تحقيق مستقبل نظيف للبشرية: موارد طاقة غير مفسدة للأجواء، ومنتجات بلا نفايات تلحق الضرر بالأحياء، وعالم فيه مكان للفقراء والأغنياء على حد سواء.
إن البشر هم الذين يصنعون مستقبلهم، وبإمكانهم أن يجعلوه زاهرا إن أرادوا. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم (كما قال أبو الطيب المتنبي).
أهم المراجع
- روبرت آيريس وآندريا باسّي وبول كليمنتس -هنتو هولجر دالكمان وديريك إيتون وماريان جريج-جران وهانز هيرين وكورنيس فان دير لجت وبراساد موداك ولورنس برات وفيليب رود وكو ساكاموتو وراشد سميلة وتون فان دريل وزاندر فان تيلبرج وبيتر وودرز ومايك يونج، نحو اقتصاد أخضر: مسارات إلى التنمية المستدامة والقضاء على الفقر – مرجع لواضعي السياسات، برنامج الأمم المتحدة للبيئة، نيروبي، 2011 م.
- Pavan Sukhdev, Heidi Wittmer, Christoph Schröter-Schlaack, Carsten Nesshöver, Joshua Bishop, Patrick ten Brink, Haripriya Gundimeda, Pushpam Kumar, Ben Simmons and Aude Neuville; “The Economics of Ecosystems and Biodiversity: Mainstreaming the Economics of Nature. A synthesis of the approach, conclusions and recommendations of TEEB”, UNEP, Nairobi, Kenya 2010.
- M. S. Cato, Green Economics: An Introduction to Theory, Policy and Practice. Earthscan, London, 2009.
- M. Common, and S. Stagl, Ecological Economics: An Introduction, Cambridge University Press, New York, 2005.
- H. Daly, and K. Townsend (eds.), Valuing The Earth: Economics, Ecology, Ethics, Cambridge, Mass.; MIT Press, London, England, 1993.
- R. Hahnel, Green Economics: Confronting the Ecological Crisis, M. E. Sharpe, New York, 2010.
- M. Kennet, and V. Heinemann, Green Economics: Setting the Scene, International Journal of Green Economics, Vol 1, Issue 1- 2, 2006.
- M. Kennet, Introduction to Green Economics, Harvard School Economics Review, 2008.
- M. Kennet, and Winston Ka-Ming Mak, Green Economics and Climate Change, The Green Economics Institute, 2012.
- R. Krishnan, J. M. Harris, and N. R. Goodwin, A Survey of Ecological Economics, Island Press, ISBN 1-55963-411-1, 1995.
التوعية البيئية (1)
كـان مــن الـطـبـيـعـي مـع بـروز الـعـديـد من المشكلات البيئية المعاصرة أن تواكبها دعوات مخلصة
إلى الاهتمام بالتوعية البيئية environmental awareness، باعتبارها أحد خطوط الدفاع عن البيئة وحمايتها،
من خلال إشراك الجمهور في حل ومواجهة القضايا البيئية، والحد من الملوثات، ودعم الجهود الرسمية التي تبذل
في هذا الصدد. ولهذا، فقد تزامنت بدايات التوعية البيئية مع المراحل الأولى للاهتمام بالبيئة العالمية في ستينيات
وسبعينيات القرن العشرين الميلادي. وقد اتضح في السنوات الأخيرة أن التوعية البيئية ليست ذات أهمية كبرى
في مجال تربية أفراد المجتمع على احترام البيئة والحفاظ عليها فحسب، بل إنها تسهم أيضا في تكوين الاتجاهات
الإيجابية positive attitudes لدى المواطنين تجاه البيئة، وتجعل عملية المحافظة على البيئة منهجا وسلوكا
وعادة، إذا أحسن القائمون على التوعية البيئية تغيير الإدراك البيئي عند الجمهور.
مفهوم التوعية البيئية
يلاحظ أن ثمة خلطا في الدراسات البيئية بين مفهوم الإعلام البيئي ومفهوم التوعية البيئية، فهناك من يعدّهما شيئا
واحدا. ولعل أهم ما يميز التوعية البيئية عن الإعلام البيئي هو أن الأولى تعدّ مسألة تربوية قبل أن تكون أي شيء آخر.
فهي تعتمد على السلوك والضمير والوجدان بالقدر نفسه الذي تعتمد فيه على العقل والإدراك الحسي والنواحي
الفيزيائية والمظهرية الأخرى المتعلقة بحياة الإنسان والمجتمع. أما الإعلام البيئي فهو فرع من فروع الإعلام يعني
بإرسال المعلومات والأفكار التي تتعلق بالبيئة وقضاياها وأنشطة الجهات ذات العلاقة بحماية البيئة، وذلك إلى
جمهور المستقبلين لهذه المعلومات.
وتعرف التوعية البيئية بأنها: «هي إنماء وتطوير مستوى الفهم والوعي تجاه البيئة الطبيعية – الحيوية (البيوفيزيائية)
ومشكلاتها، بما في ذلك فهم التدخلات البشرية وآثارها، بما يؤدي إلى التفكير إيكولوجيا عند التعامل مع الموارد
البيئية». وقد عرفها تريفيدي Trivedi وسنغ Singh بأنها: «الشعور والإدراك الجماعي
collective consciousness تجاه المحافظة على الموارد الطبيعية». وعرفها الدكتور عادل مشعان ربيع بأنها:
«هي كل البرامج أو الأنشطة التي توجَّه للناس عامة، أو لشريحة معينة، بهدف توضيح وتعريف مفهوم بيئي معين،
أو مشكلة بيئية، لخلق اهتمام وشعور بالمسئولية، ومن ثم تغيير اتجاههم ونظرتهم، وإشراكهم في إيجاد الحلول
المناسبة. أو هي عملية إعادة توجيه وربط لمختلف فروع المعرفة والخبرات التربوية، بما ييسر الإدراك المتكامل
للمشكلات، ويتيح القيام بأعمال عقلانية للمشاركة في مسئولية تجنب المشكلات البيئية، والارتقاء بنوعية البيئة».
ويمكن القول بأن التوعية البيئية هي عملية إعلامية، تهدف إلى تكوين جيل مدرك، يقدِّر طبيعة البيئة التي يعيش
فيها ومتطلباتها ومقوّماتها والعوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر فيها، وهي ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة
بسلوك الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه، ولا بد من إعداد ما يناسبها من القيم والاتجاهات التي تربط الإنسان
وحضارته بمحيطه الحيوي، بصفته كائنا حيا ضمن أعداد عظيمة من الكائنات الحية الأخرى، مما يحتم عليه المحافظة
على وجوده ونموه ضمن القواعد والأسس والنظم التي وضعت لهذه البيئة.
مفهوم الوعي البيئي
ثمة مصطلح يستخدم كثيرا في الأدبيات البيئية، ويتم الخلط بينه وبين مصطلح التوعية البيئية، وهو مصطلح
الوعي البيئي. والحقيقة أن هناك اختلافا جوهريا بين المصطلحين. فالأخير (أي الوعي البيئي) هو نتاج الأول
(أي التوعية البيئية). فالتوعية جهد يُبذَل، والوعي هو ثمرة هذا الجهد. وعلى هذا، يمكن تعريف الوعي البيئي
بأنه «عبارة عن إدراك الفرد لمتطلبات البيئة، ولدوره فيها، عن طريق إحساسه ومعرفته بمكوناتها، وما بينهما
من العلاقات، وكذلك القضايا البيئية وكيفية التعامل معها»، وهو إدراك قائم على المعرفة بالعلاقات
والمشكلات البيئية من حيث أسبابها وآثارها ووسائل حلها.
كما يمكن تعريفه أيضا بأنه «إدراك معطيات البيئة، أو معرفتها من خلال إدراك الأفراد للواقع الاجتماعي الذي
يعيشون فيه، وبما يدور في بيئتهم المحلية والوطنية والعالمية من ظواهر ومشكلات بيئية وآثارها ووسائل
علاجها، ومن ثم يكتسب الأفراد إدراكهم الواعي لهذه الأبعاد، وتتكون لديهم المفاهيم والاتجاهات والقيم
نحو ذلك الفهم، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة واتصالهم الشخصي بالآخرين».
ويتشكل الوعي البيئي لدى الإنسان من خلال ما يتلقاه من علوم ومعارف وتوجيه وإرشاد وتربية من مصادر
مختلفة تصب في بوتقة إدراكه عبر مراحل متعددة من حياته. وهو (أي: الوعي البيئي) يتشكل لدى كل شخص
بدءا من مراحل مبكرة من حياته، حينما تؤدي الأسرة دورها المهم في التوجيه والإرشاد، وغرس القيم الرامية إلى
الحفاظ على البيئة وصون مواردها. ثم يتعزز هذا الوعي ويترسخ مفهومه وأبعاده بمرور الزمن، من خلال تأثير
وسائط تربوية وتثقيفية أخرى.
أهمية التوعية البيئية
ترجع أهمية التوعية البيئية إلى تعريف فئات المجتمع وصناع القرار بالقضايا والمشكلات البيئية المهمة؛ حيث تبرز
أهميتها بشكل واضح من خلال الدور الذي تقوم به في إيجاد الوعي عند الأفراد والجماعات وإكسابهم المعارف
البيئية الضرورية، ومن ثم تغيير اتجاهاتهم وسلوكياتهم نحو البيئة، بمشاركاتهم في حل المشكلات البيئية،
عن طريق قيامهم بتحديد المشكلة، ومنع الأخطار البيئية من خلال تنمية مهاراتهم في متابعة القضايا البيئية
والإدارة البيئية المرتبطة بالتطور دون المساس بالبيئة لتحقيق تنمية مستدامة.
وترجع أهمية التوعية البيئية أيضا إلى دورها في استكمال الجهود التي تبذلها الحكومات والمنظمات البيئية
من خلال تحفيزها للمواطنين على المشاركة بجهودهم من خلال الجمعيات الأهلية العاملة في مجالات القضايا
البيئية.
أهداف التوعية البيئية
بوجه عام، تهدف التوعية البيئية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، من أهمها ما يلي:
1- تزويد الفرد بالفرص الكافية لإكسابه المعرفة والمهارة والالتزام بالعمل على تحسين البيئة والمحافظة
عليها؛ لضمان تحقيق التنمية المستدامة.
2- تحسين نوعية المعيشة للإنسان من خلال تقليل أثر الملوثات البيئية على صحته.
3- تطوير الأخلاقيات البيئية بحيث تصبح هي الرقيب على الإنسان عند تعامله مع البيئة.
4- تفعيل دور الجمهور في المشاركة في اتخاذ القرار بمراعاة البيئة من حوله.
5- مساعدة الفرد على اكتشاف المشكلات البيئية، وإيجاد الحلول المناسبة لها.
6- تعزيز الاهتمام العالمي بالتوعية البيئية.
7- ترشيد سلوك الإنسان الخاص بحماية البيئة ورعايتها، ودفعه إلى المشاركة الإيجابية بتبني سلوكيات
تؤدي إلى الحد من الأخطار التي تتعرض لها البيئة، وتحمّل مسئولياته في المحافظة عليها.
8- غرس القيم البيئية التي تستهدف صيانة البيئة مما يتهددها من أخطار.
9- تعزيز السلوك الحميد، وتكوين اتجاهات إيجابية لدى الأفراد في التعامل مع عناصر البيئة.
ويمكن تعريف الاتجاه البيئي بأنه: «الموقف الذي يتخذه الفرد إزاء بيئته، من حيث استشعاره لمشكلاتها
أو عدم استشعاره، واستعداده للمشاركة في حل هذه المشكلات، وتطوير ظروف البيئة على نحو أفضل،
أو عدم استعداده، وكذلك موقفه من استغلال الموارد الطبيعية في هذه البيئة استغلالا رشيدا كان أم جائرا».
ومن أهم الاتجاهات البيئية الإيجابية ما يلي:
أ- الاتجاه نحو الاستغلال الرشيد للموارد الطبيعية.
ب- الاتجاه المضاد حيال تلويث البيئة (الهواء – الماء – التربة)
ت- الاتجاه المضاد حيال مشكلة استنزاف الموارد الطبيعية ونضوبها.
ث- الاتجاه نحو محاصرة الإصابة بالأمراض المستوطنة.
ج- الاتجاه نحو حماية البيئة من التلوث واستنزاف الموارد والإحلال بالتوازن الإيكولوجي.
وتسهم برامج التوعية البيئية فيما يلي:
1- تحسين مستوى الأداء البيئي للمنظمة، أو الجهة المعنية، بهذه البرامج.
2- تحقيق الأهداف التي تسعى المنظمة، أو الجهة المعنية، بهذه البرامج إلى إحرازها.
3- تعزيز مستوى الالتزام بالتشريعات والأنظمة والمعايير البيئية.
4- تشجيع الأفراد المستهدفين بهذه البرامج على تغيير سلوكياتهم واتجاهاتهم البيئية، بما يتواءم مع أهداف
المنظمة، أو الجهة المعنية، بتلك البرامج.
5- تخفيض تكاليف برامج حماية البيئة نتيجة لمشاركة الجمهور في تنفيذ أهداف هذه البرامج.
6- تعريف الجمهور المستهدف، وكذلك العاملين في المنظمة أو الجهة المعنية، بأهم التحديات البيئية
التي تواجهها تلك المنظمة أو الجهة.
ويـؤدي رفــع مـســتـوى الـتــوعــيــة الـبـيـئية إلـى ضـمان ما يلي:
1- إيصال المعلومات التي تحقق أهداف برامج التوعية البيئية بفاعلية.
2- سهولة الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالقضايا البيئية التي تتضمنها برامج التوعية.
3- تنمية مهارات العاملين في مجال التوعية البيئية.
4- مشاركة العاملين في المنظمات أو الجهات المسئولة عن حماية البيئة في برامج التوعية.
كيفية تحقيق التوعية البيئية
يتم تحقيق التوعية البيئية بشكل واضح ومباشر من خلال التنسيق والتعاون بين جميع الأطراف المعنية بمواجهة
المشكلات البيئية في المجتمع، وهي:
1- الأجهزة الحكومية المعنية بشؤون البيئة.
2- جميع هيئات المجتمع ومؤسساته.
3- الأفراد الذين هم الحماة الفعليون للبيئة عند توافر المعرفة والفهم الصحيح لدورهم البيئي.
أما الآلية التي يمكن أن تعتمد عليها الأطراف السابقة لتحقيق التوعية البيئية فتتمثل فيما يلي:
التعريف بالقوانين والسياسات والتشريعات والأنظمة البيئية، التي تساعد على حماية البيئة، والحدّ من الأنشطة
السلبية للإنسان عليها، من خلال التوعية بطرق التقليل من التلوث وكيفية السيطرة عليه، وكذلك الإدارة السليمة
للمصادر الطبيعية، وحماية النظام البيئي الحيوي.
4- دعم الهيئات والجمعيات المتخصصة في حماية البيئة في المدارس والجامعات من خلال النشاط الأهلي والحكومي،
وتأسيس (جماعات أصدقاء البيئة).
5- إعداد مراجع خاصة للثقافة البيئية لتوضيح مفاهيم البيئة والتربية البيئية، وإعداد الوسائل السمعية
والبصرية التي تخدم هذا الغرض.
6- تنفيذ ما جاء في المبدأ (19) من إعلان استوكهولم لعام 1972، من «حث الحكومات والمنظمات
غير الحكومية على العمل لتعليم الأجيال الشابة وكذلك الكهول في المجالات البيئية».
7- التركيز على توعية النشء بالبيئة ومكوناتها ووسائل حمايتها، ويكون ذلك من خلال ربط التلاميذ ببيئتهم؛
بحيث تصبح الإيجابية والفاعلية واتخاذ القرارات البناءة إزاء حماية البيئة من التلوث واستنزاف الموارد سمة بارزة
في سلوكهم البيئي.
8- الحرص على رفع مستوى الوعي البيئي لدى المرأة من خلال توفير المعلومات والتأهيل والتدريب وتضمين
المناهج التعليمية موضوع الإدارة السليمة للموارد ومشاركتها في القرار البيئي.
9- توظيف وسائل الإعلام توظيفا إيجابيا للتعريف بالمشكلات البيئية وطرق الحدّ منها واحتواء آثارها.
ويمكن تنفيذ ذلك من خلال ثلاث حلقات منفصلات ومتداخلات في آن واحد، هي: التربية البيئية، والثقافة البيئية
(أو التعليم البيئي غير الممنهج)، والإعلام البيئي.
التربية البيئية:
تعرّف التربية البيئية بأنها «عملية تكوين القيم والاتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات
المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بمحيطه الحيوي الفيزيائي، وتوضح أهمية المحافظة على مصادر البيئة
الطبيعية، وضرورة استغلالها استغلالا رشيدا لصالح الإنسان؛ حفاظا على حياته ورفع مستوى معيشته».
أما تعريف التربية البيئية في مؤتمر تبليسي الدولي عام 1977 فيتمثل في كونها «نتاج عملية إعادة توجيه
وربط لمختلف الفروع العلمية والخبرات التربوية المختلفة، بما ييسر الإدراك الحسي المتكامل لمشكلات البيئة،
ويتيح بذل جهود أشد وأقدر على الوفاء بتطوير البيئة وباحتياجات المجتمع. وقد يرى بعض الباحثين أن دراسة
البيئة بجانبيها الحيوي والطبيعي فقط تحقق تربية بيئية، في حين يرى آخرون أن التربية البيئية تتعدى ذلك
المفهوم الضيق للبيئة، وأنها عملية أكثر عمقا وشمولا من مجرد الدراسة. والحقيقة أنها كذلك، فهي عملية
تربوية تهدف إلى تكوين القيم والاتجاهات البيئية لدى الأفراد. وعلى ذلك، يجب أن نفرق بين دراسة البيئة
والتربية البيئية. فدراسة البيئة قد لا تؤدي إلى التحلي بالأخلاق والقيم البيئية، لا سيما إذا كانت الدراسة مقصورة
على المكونات البيئية المادية والحيوية، دون أن تربط بحياة الإنسان وعلاقاته وتفاعلاته. ولكن إذا أدت دراسة
البيئة إلى تكوين القيم والسلوك في إطار العلاقات القائمة بين الإنسان ومكونات البيئة، ونتج من ذلك احترام
الإنسان للبيئة ومكوناتها، فإننا نقول عندئذ إن تدريس البيئة يحقق أهداف التربية البيئية.
وانطلاقا من هذا المفهوم لماهية التربية البيئية، يمكن القول بأنها ليست حديثة العهد، إذ إن لها جذورها القديمة
في مختلف ثقافات الشعوب. فالهندوسية مثلا تدعو إلى العطف والحنان على كل الكائنات الحية. وجوهر القيم
الأخلاقية البوذية يبدو في العزوف عن قتل المخلوقات. والمسيحية تدعو إلى الرحمة في التعامل مع الطبيعة
وحسن استغلالها بحكمة. وفي الإسلام فإن استخلاف الإنسان في الأرض يقتضي الرحمة، وينهي عن التخريب
والفساد.
وقد حظيت التربية البيئية باهتمام معظم دول العالم في السنوات الأخيرة، فكان أن أدخلت في مناهجها
التعليمية الكثير من المفاهيم البيئية. كما أدخلت التربية البيئية نفسها في تلك المناهج. وفي العالم العربي،
تجسد الاهتمام بإدخال البعد البيئي في المناهج الدراسية بما قامت به المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم
من إعداد وحدات مرجعية على مستوى التعليم العام، بُنِيت على أساس التكامل، وتضمنت نماذج مختلفة
من المواد الدراسية وكيفية إسهامها في تحقيق أهداف التربية البيئية لدى الطلبة. وقد وجّهت هذه الوحدات
إلى مخططي المناهج ومؤلفي الكتب ومصممي وسائل الاتصال التعليمية، وواضعي برامج التدريب
للاستفادة منها.
ويرى بعض الباحثين أن التربية البيئية يجب ألا تقتصر على الأسرة والمدرسة بوصفهما مؤسستين تقومان
بدور إيجابي في مجال البيئة، فالمؤسسات الأخرى في المجتمع تستطيع أن تقوم أيضا بدور فاعل في عملية
التوعية البيئية لمنتسبيها، كما يمكنها أن تضع ضوابط للسلوك البيئي ضمن حدودها. فالنقابات الفئوية، والاتحادات
العمالية، والمؤسسات الدينية، والجمعيات النسائية، وغيرها من منظمات المجتمع المدني تستطيع القيام
بعملية التوعية والتربية البيئية في حدود الشرائح الاجتماعية التي تقع في نطاق اهتمامها ومسئولياتها.
كما أن إدماج التربية البيئية في برامج التدريب التي تعد للعاملين في الشركات الصناعية والمؤسسات الإنتاجية
يُعَدّ حاجة ملحّة. ويجب أن تتضمن هذه البرامج معلومات عن التغيرات البيئية التي تنجم عن العمل الذي
سيزاولونه. ويجب أن تعمل تلك البرامج على تعزيز الوعي بالعلاقة بين الفرد وبيئاته الطبيعية والاجتماعية
والثقافية، وإذكاء الرغبة في تحسين مستوى البيئة المادية عن طريق الـتأثير في عملية اتخاذ القرار.
وبناء على ما سبق، يمكننا القول بأن أهداف التربية البيئية تتمثل فيما يلي:
1- تعريف الأفراد والجماعات ببيئتهم الطبيعية، وما فيها من أنظمة بيئية، وكذلك تعريفهم بالعلاقة
الموجودة بين مكونات البيئة الحية وغير الحية، واعتماد كل منهما على الآخر.
2- مساعدة الأفراد والجماعات على اكتساب وعي بالبيئة الكلية، عن طريق توضيح المفاهيم البيئية، وفهم
العلاقة المتبادلة بين الإنسان وبيئته الطبيعية، مع تنمية الفهم بمكونات البيئة وطرق صيانتها وحسن استغلالها
عن طريق اكتساب المهارات في كيفية التعامل مع البيئة بشكل إيجابي.
3- إبراز الأهمية الكبيرة للمصادر الطبيعية، واعتماد كافة الأنشطة البشرية عليها.
4- إبراز الآثار السيئة لسوء استغلال المصادر الطبيعية، وما قد يترتب على هذه النتائج من آثار اقتصادية
واجتماعية ونفسية، تؤخذ بعين الاعتبار للعمل على تفاديها.
5- تصحيح الاعتقاد السائد بأن الموارد الطبيعية دائمة لا تنضب، وتوضيح أن منها الدائم والمتجدد والناضب،
واستبعاد فكرة أن العلم وحده يمكن أن يحل مشكلاتنا البيئية.
6- التحليل العلمي الدقيق للتصرفات التي أدت إلى الإخلال بالتوازن البيئي من خلال بحث أسباب المشكلات
البيئية المتعددة التي تسبب فيها الإنسان بتصرفاته، كالصيد الجائر للحيوانات البرية، وتعرية التربة عن طريق قطع
الأشجار وحرق الغابات.
7- توضيح ضرورة التعاون بين المجتمعات عن طريق إيجاد وعي عام بأهمية البيئة، وبناء فلسفة متكاملة عند
الأفراد تتحكم في تصرفاتهم في مجال علاقاتهم بعناصر البيئة وبالمحافظة عليها وعلى أحيائها بالتعاون
مع الجهات ذات العلاقة للاهتداء إلى حلول دائمة للمشكلات الراهنة للبيئة.
وانطلاقا من أهداف التربية البيئية، السابق ذكرها، فإن التعليم البيئي يجب أن يبدأ من رياض الأطفال، ويستمر
خلال مراحل التعليم العام إلى التعليم الجامعي.
تأثير التغيرات المناخية على النباتات(2)
تدهور التربة
يعدّ تدهور التربة وموارد المياه أحد التحديات المستقبلية الرئيسية التي تواجه الزراعة في العالم. وسوف
تزداد شدة هذا التدهور بفعل التغيرات الضارة في درجات الحرارة والتهطال.
وفي المناطق الجافة أو شبه الجافة (مثل المراعي والغابات والأراضي المشجرة) قد يؤدي تغير المناخ
إلى التقليل من رطوبة التربة. ومن المتوقع أن تنخفض الإنتاجية، وقد تُبطل زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون
مفعول بعض هذه الخسائر. غير أن الكثير من هذه المناطق يتأثر بظاهرة النينو والظواهر المناخية المتطرفة
الأخرى والاضطرابات مثل الحرائق. ويمكن أن تؤدي التغيرات التي تطرأ على تواتر هذه الظواهر
والاضطرابات إلى حدوث فاقد في الإنتاجية، ومن ثم إلى احتمال تدهور نوعية الأراضي أو احتمال حدوث فاقد
في كمية الكربون المخزون أو إلى انخفاض في معدل امتصاص الكربون. وستحل الغابات أو المروج محل
بعض الأراضي الرطبة.
تغير مواسم الحصاد
سوف تتسبب التغيرات المناخية في استطالة فترة فصل الصيف. وسوف ينتج عن ذلك تحرك حد النظام
الإيكولوجي الزراعي صوب الشمال في شمال آسيا، مما يؤدي إلى زيادة إجمالية في إنتاجية الزراعة. وسوف تؤثر
تقلبية المناخ وتغيره أيضاً في المواعيد الزمنية لموسم الحصاد وكذلك في مدة زراعة المحصول وفترة نموه.
وتشير دراسة نشرت في مجلة Nature إلى أن ارتفاع الحرارة بمعدل ستة بالعشرة (0.6) من الدرجة المئوية
في القرن العشرين أدى إلى بدء موسم النمو في أوروبا وأمريكا الشمالية أبكر من موعده السابق. وتؤكد هذه
الدراسة على أن ارتفاع درجات الحرارة يعني أيضا أن الفناء سيكون مصير بعض أنواع النباتات.
التأثير في الأقاليم
سوف تؤدي التغيرات المناخية إلى تفاقم مشكلة الأمن الغذائي في العديد من دول العالم. وتشهد القارة
الأفريقية فعلاً عجزاً كبيراً في إنتاج الأغذية في كثير من المناطق، وسيكون التدهور المحتمل في رطوبة التربة
عبئاً إضافياً. كما تُعَدُّ البلدان التي لا تنعم بالأمن الغذائي معرضة بدرجة أكبر لخطر التأثيرات الضارة التي
ستنجم عن التغيرات المناخية. ومن مظاهر تأثير الاحتباس الحراري على أفريقيا: ظاهرة التصحر التي تجتاح مناطق
الساحل شمال غربي القارة، إلى جانب الكوارث البيئة الأخرى التي تشهدها أفريقيا من قحط وفيضانات، وانقراض
أنواع عدة من النباتات والحيوانات. وفي جنوب غرب أستراليا وداخلها سوف تتأثر الأنشطة الزراعية بصفة
خاصة بالانخفاض على المستوى الإقليمي في كمية الأمطار المتساقطة. ومن المحتمل أن يزداد تكرار الجفاف
وما ينجم عن ذلك من إجهاد للتربة الزراعية في بعض مناطق أستراليا ونيوزيلندا نتيجة التغيرات الناجمة عن
ارتفاع درجات الحرارة وظاهرة النينو. وفى الصين، من المتوقع أن تنخفض غلات العديد من المحاصيل الرئيسية
نتيجة للتغيرات المناخية. فالنقص الشديد في المياه والمصحوب بالإجهاد الحراري سوف يؤثر تأثيراً ضاراً على
إنتاجية نبات القمح، وسيؤثر بشكل أشد على إنتاجية الأرز في الهند حتى في ظل الآثار الإيجابية لتزايد تركيز
ثاني أكسيد الكربون في المستقبل. وتؤكد بعض الدراسات العلمية على أن الهند قد تتعرض لخسارة عشرات
الملايين من أطنان الحبوب في أواخر القرن الحادي والعشرين بسبب الاحتباس الحراري (ستبلغ خسارة الهند
وحدها 125 مليون طن من الحبوب سنويا، أي ما يمثل 18 % من جملة محاصيلها السنوية). كما أن 65 دولة
نامية ستخسر نحو 280 مليون طن من قدراتها في مجال إنتاج الحبوب بسبب التغيرات المناخية. وتمثل
هذه الخسارة نحو 56 مليار دولار، أي ما يعادل قيمة 16 % من الإنتاج الزراعي الخام لهذه الدول لعام 1995.
ويمكن لأمراض المحاصيل (مثل تبقع القمح، وحباط الأرز، وندوة الغمد والساق في نبات الأرز) أن تصبح أوسع
انتشاراً في المناطق المدارية والمعتدلة المناخ في آسيا إذا ما أصبح المناخ أكثر حرارة ورطوبة. وسوف تعاني
منطقة أوروبا الجنوبية والشرقية من خطورة نقص المياه، وقصر فترة النمو في كثير من محاصيل الحبوب بسبب
تزايد درجة الحرارة.
وتظهر الدراسات التي جرت في الأرجنتين وأوروجواي والبرازيل وشيلي والمكسيك، استناداً إلى نماذج الدوران
العام ونماذج المحاصيل، إلى أن التغيرات المناخية ستؤدي إلى تناقص غلات عدد من المحاصيل (مثل الذرة
والقمح والشعير والعنب)، إذ إن الزيادات المتوقعة في معدل درجات الحرارة سوف تؤدي إلى إنقاص غلات
المحاصيل في تلك الدول، وذلك بسبب قصر فترة دورة المحاصيل. ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة
نطاق الغابات وإنتاجيتها على مدى السنوات المائة القادمة. بيد أن التغيرات المناخية قد تسبب تغيرات
في طبيعة ونطاق العديد من عوامل الاضطراب (على سبيل المثال: الحرائق وتفشي الحشرات).
وتشير سيناريوهات تغير المناخ المتطرف أو الطويل الأجل إلى احتمال انخفاض واسع النطاق في الغابات.
وهناك دلائل قوية تشير إلى أن التغيرات المناخية قد تؤدي إلى فقدان أنواع محددة في النظم الإيكولوجية
مثل المناطق الجبلية العالية ومناطق ساحلية معينة (مستنقعات المياه المالحة، على سبيل المثال) والأراضي
الرطبة.
وفي معظم الدول الجزرية الصغيرة ستكون الموارد المائية والزراعية مدعاة لقلق بالغ فيها؛ لأن هذه الجزر
لا تمتلك إلا موارد محدودة من المياه والأراضي القابلة للزراعة. وتعتمد المجتمعات المحلية بها على مياه
الأمطار. كما أن الفلاحة الزراعية تتركز عند سواحل تلك الجزر أو بالقرب منها. وسوف تتسبب التغيرات المناخية
في ارتفاع مستوى سطح البحر، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه الجوفية، وتملح التربة،
ومن شأن ذلك أن يحدث نوعاً من الإجهاد لكثير من المحاصيل الزراعية الأساسية.
انقراض أنواع نباتية
سوف يؤثر الاحتباس الحراري في بعض الأنواع النباتية، فيجعلها مهددة بخطر الانقراض على المستوى المحلي
أو العالمي بسبب التغيرات في المناخ التي قد تصاحب زيادة صغيرة في متوسط درجات الحرارة. وبوجه عام
تتضمن الأنواع النباتية المهددة بالانقراض: الأنواع المنتشرة في نطاقات صغيرة وذات الكثافة المنخفضة
في أعدادها، والأنواع ذات الاحتياجات المحدودة في موائلها، والأنواع التي يعَدُّ موئلها المناسب غير متجانس
في توزيعه، وخصوصاً إذا تعرضت للضغط من استعمال الإنسان للأراضي والتغير في الغطاء الأرضي.
ومن الأمثلة على هذه الأنواع: النباتات الحساسة لسقوط الأمطار في (كيب فلورال) بجنوب أفريقيا، وأشجار
القرم (المانجروف) وغيرها من النباتات التي تنمو في الأراضي الرطبة الساحلية، ونباتات النظم الإيكولوجية
الجبلية التي تنمو في مناطق يتراوح ارتفاعها ما بين 200 – 300 مترا، ونباتات المروج الرطبة.
ويذكر (أندرياس فيشلين) عضو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أنه من المتوقع أن يؤدي استمرار
ارتفاع درجات الحرارة إلى انقراض بعض سلالات النباتات في مناطق جبال الألب. وفي هذا الصدد تقدر إحدى
الدراسات بأن ما يصل إلى ستين في المائة من النباتات في منطقة جبال الألب معرضة لمخاطر ناجمة
عن التغيرات المناخية، كما يُتوقع بنهاية القرن الحادي والعشرين أن تشمل تلك المخاطر نحو ثلاثين في المائة
من النباتات في قارة أوروبا بأكملها.
الاحتباس الحراري والجفاف
سوف يسهم الاحتباس الحراري في تزايد حدة الجفاف في عدة مناطق متفرقة بالعالم. وسوف تعاني دول
كبرى في إنتاج الحبوب (مثل أوكرانيا وفرنسا وأستراليا وبريطانيا) من هذه المشكلة. وهناك احتمال بتزايد الجفاف
في السهول العظمى في الولايات المتحدة والبراري الكندية، مع وجود فرص محتملة لتحرك مناطق الإنتاج
الزراعي في كندا صوب الشمال. وثمة أنهار سينخفض معدل تدفقها مع ارتفاع درجة حرارة المناخ. فنهر “دارلنج”
الأسترالي – على سبيل المثال – يتعرض في الوقت الراهن إلى ظروف قاسية. فمياه هذا النهر التي كانت تتدفق
بقوة وعنفوان في السابق، أصبحت تجري الآن في بطء شديد، كما تتناقص كمياتها يومياً. وقد أدى الجفاف
إلى إثارة مناقشة موسعة وحامية في أستراليا حول تأثير الاحتباس الحراري، وما إذا كان الجفاف الذي ضرب
المناطق النائية في البلاد له علاقة به أم لا. وتذكر دراسة أجرتها جامعة “تشارلز ستارت” في مقاطعة “نيوساوث
ويلز” أنه إذا لم يتوقف هذا الجفاف سريعاً فإن منطقة (بوركي) على وجه الخصوص ستواجه كارثة اقتصادية
واجتماعية. ويرجع سبب تأثر “بوركي” أكثر من غيرها بالجفاف إلى أنها تختلف عن باقي المناطق الاسترالية
من حيث إنه لا توجد لديها موارد معدنية يمكن أن تعتمد عليها في حالة الجفاف، وتكاد تعتمد اعتماداً كاملاً
على الرعي وزراعة القطن والموالح. ونظراً لعدم سقوط أمطار فإن تلك المنطقة لم تنتج قطناً خلال السنوات
الماضية، علاوة على أن بساتين الموالح بها قد جفت وذوت أشجارها. وكان “الأبورجين”، وهم سكان أستراليا
الأصليون، هم الأكثر تأثراً بهذا الجفاف؛ وذلك نظراً لاعتمادهم على العمل الموسمي في مزارع القطن
والمواسم كمصدر رئيسي للكسب. وبسبب استمرار الجفاف دون أمل قريب في انتهائه، فإن المزارعين في بوركي
بدأوا في بيع ممتلكاتهم ومزارعهم، أما أولئك الذين بقوا في تلك المزارع فإنهم يحاولون جاهدين أن يوفروا
ما يقيم أودهم.
وهكذا نجد أن للتغيرات المناخية آثارا ضارة بالزراعة والمزارعين. ولهذا إذا لم نسارع بالحد من غازات الاحتباس
الحراري فإننا لن نعرف ما سيخبئه لنا المستقبل من كوارث بسبب ما ستتعرض له النظم النباتية من اضطرابات.
فهل ستتحرك دول العالم تجاه تفعيل اتفاقية (كيوتو) بشأن التغيرات المناخية، أم سيظل الجدل محتدما
حول السؤال اللغز: هل هناك احتباس حراري ناشئ من الأنشطة البشرية بالفعل أم أنه ناتج من تغيرات طبيعية؟
إن الأمر لا يحتمل نقاشا أو تأجيلا. وعلينا أن نتعاون جميعا حتى نجد أرزنا ولحومنا وفواكهنا غدا، ونترك البيئة
من ورائنا لأبنائنا خضراء غنّاء، لا صحراء جرداء، لا نبات فيها ولا ماء.
مصطلحات بيئية ( 21 )
الـبيئة البحرية
هي «كل مساحات المياه المالحة التي تمثل كتلة متصلة بعضها ببعض، متلاحمة الأجزاء، سواء أكان هذا الاتصال
طبيعيا أم صناعيا، وما تشتمل عليه هذه الكتلة من أوجه الحياة البحرية». أو هي «المحيط المائي الضخم
وما يحتويه من جزر وخلجان وكائنات حية تعيش فيه كالأسماك والثدييات والأشجار والأحياء الدقيقة».
ويرى (مارجن رابوتا وأن كلكيوتب Marijn Rabauta & An Cliquetb) أن البيئة البحرية «هي مجموعة النظم
الإيكولوجية البحرية المختلفة التي تضم المكونات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للبحار والمحيطات».
ويمكن القول بأن البيئة البحرية هي جزء من النظام البيئي العالمي، وتتكون من البحار والمحيطات والأنهار
وما يتصل بها من روافد، وما تحتويه من كائنات حية سواء أكانت نباتية أم حيوانية، كما تضم موارد أخرى مثل
المعادن بمختلف أنواعها. ويعتمد كل كائن من هذه الكائنات على الآخر، وهي تتفاعل مع بعضها في علاقة
متزنة، ويختل هذا التوازن عند حدوث أي خلل في المواصفات الفيزيائية والكيميائية للبيئة البحرية.
الجرف القاري
هو عبارة عن الطبقات الأرضية المنحدرة من قاع البحر وما تحت القاع من طبقات، والتي توجد خارج البحر الإقليمي
إلى عمق مائتي متر من سطح الماء أو إلى ما يتعدى هذا الحد إلى حيث يقبل عمق المياه من السطح استغلال
الموارد الطبعيية لهذه المناطق.
وقد عرّف (جون ريزك جونير .John Reseck, Jr) الجرف القاري بأنه «هو امتداد اليابسة، حيث ينحدر انحدارا
هينا من خط زبد الأمواج المتكسرة على الشاطئ إلى أن يصل إلى عمق يقرب من 200 متر (600 قدم)».
ووفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يشمل الجرف القاري لأية دولة قاع وباطن أرض المساحات المغمورة
التي تمتد إلى ما وراء بحرها الإقليمي في جميع أنحاء الامتداد الطبيعي لإقليم تلك الدولة البري حتى الطرف
الخارجي للحافة القارية، أو إلى مسافة 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر
الإقليمي إذا لم يكن الطرف الخارجي للحافة القارية يمتد إلى تلك المسافة.
البحر الإقليمي
هو منطقة البحر المقاربة لسواحل الدولة والتي تمتد لمسافة فيما وراء المياه الداخلية وتخضع لسيادة تلك
الدولة الساحلية. أو هو المسافة المقاسة من أدنى حد لانحسار ماء البحر عن الساحل إلى بعد اثني عشر ميلا
بحريا [الميل البحري 1859 مترا] باتجاه أعالي البحار. أو هو تلك المساحة من مياه البحر المتاخمة لشواطئ
الدولة والممتدة تجاه أعالي البحار، أو بعبارة أخرى ذلك الجزء من البحر الذي ينحصر ما بين المياه الداخلية
والبحر العام.
التوعية البيئية
هي عبارة عن برامج أو أنشطة توجه الناس بصفة عامة أو شريحة اجتماعية معينة بهدف توضيح وتدعيم
وتعريف مفهوم بيئي معين أو مشكلة بيئية لخلق اهتمام وشعور بالمسؤولية ومن ثم إحداث
تغيير في اتجاهاتهم وسلوكياتهم ونظرتهم للبيئة ومواردها، وإشراكهم في إيجاد الحلول المناسبة
للمشكلات البيئية.
الإعلام البيئي
هو نوع من الإعلام المتخصص، يرمي إلى نشر المعلومات والبيانات الصحيحة عن البيئة والآراء والاتجاهات
المتصلة بها، بهدف تبصير الجمهور بكل ما يرتبط بالبيئة المحيطة به، وإحداث وعي مناسب حيالها، وبذل
كل جهد من أجل حمايتها.
الزراعة العضوية Organic Farming
هي الزراعة بدون استخدام كيماويات صناعية من أسمدة أو مبيدات أو مواد حافظة وبدون استخدام
الإشعاعات أو مدخلات الهندسة الوراثية لتعديل السلالات الزراعية. وهي نظام شامل لإدارة الإنتاج الزراعي
يعزز الظروف البيئية المناسبة للنمو.
الثقافــة البيئيـــة
هي عبارة عن مجموعة القيم والسلوكيات التي تتميز بها أمة من الأمم عن غيرها من أجل المحافظة على البيئة
ومواردها ونظمها وعناصرها.
أو هي عبارة عن مفهوم يعبر عن اكتساب الفرد للمكونات المعرفية والانفعالية والسلوكية من خلال تفاعله
المستمر مع بيئته، والتي تسهم في تشكيل سلوك جيد يجعل الفرد قادرا على التفاعل بصورة سليمة مع بيئته،
ويكون قادرا على نقل هذا السلوك للآخرين من حوله.
الوعي البيئي
هو إدراك الفرد لمتطلبات البيئة عن طريق إحساسه ومعرفته بمكوناتها وما بينها من علاقات، وكذلك القضايا البيئية
وكيفية التعامل معها. وهو يتحقق من خلال التعليم ومن استثمار الخبرة الحياتية الإنسانية.
وترى (هويدا مصطفى) أن المقصود بالوعي البيئي هو «إدراك الفرد لدوره في مساعدة الفئات الاجتماعية والأفراد
على اكتساب وعي بالبيئة ومشكلاتها».
مكتبة البيئة
بـلـح البحر ( الـفـذك) (2)
المخاطر التي تواجه موارد بلح البحر
يكون بلح البحر عرضة للافتراس الطبيعي من قبل قناديل البحر ويرقات الأسماك. ويحدث ذلك بمعدلات عالية
عند المرحلة اليرقية الطافية. ويستمر خطر الافتراس عند مرحلة الصغار بسبب هشاشة الصدفة، ويصبح الافتراس
محدوداً عند البلوغ بسبب صلابة الصدفة، حيث يقتصر على عدد من المفترسين. ويأتي الإنسان في المقام الأول
كعدو لبلح البحر، ثم تأتي الطيور المعروفة بصائدي المحارات Oystercatchers في المقام الثاني، ثم رأسيات
الأقدام كالأخطبوط والقشريات كالسرطانات البحرية ونجوم البحر. وعندما يقوم بلح البحر بتصفية ماء البحر
فإن ذلك يؤدي إلى تراكم المواد الضارة كالمعادن الثقيلة فيه، وفي هذه الحالة وقبل استهلاك بلح البحر
يجب التأكد من رائحة ولون البحر. وقد يصبح بلح البحر ساماً في حالة وجوده عند مواقع متأثرة بظاهرة المد
الأحمر، شأنه في ذلك شأن بقية المصفيات من القواقع البحرية، حيث تعمل هذه الظاهرة على تخزين الطحالب
الضارة داخل الصدفة. وبعد تناول بلح البحر من قبل الإنسان وقتذاك قد تظهر أعراض التسمم بالمحاريات. لذا يجب
أخذ الحيطة عند وقوع مثل هذه الظاهرة، والتوقف عن استهلاك القواقع البحرية التي منها بلح البحر.
استزراع بلح البحر
تقنيات التفريخ:
إن الهدف الرئيسي من تطوير مفرخات الرخويات – التي تشمل بلح البحر – هو التأكد من وفرة الزريعة من خلال
الإنتاج الاصطناعي من المفرخات. وتأتي هذه الخطوة في حالة ندرة وجود الزريعة في الطبيعة لأسباب طبيعية
أو مناخية. وأولى خطوات التفريخ هي إعداد الأغذية الحية الدقيقة كمّا ونوعاً وذلك في حالة نجاح التفريخ
والحصول على اليرقات، وهي من أهم المراحل نظرا لأهميتها في ضمان نمو وبقاء اليرقات. ثم تأتي مرحلة
جمع الأمهات من الطبيعة. ويراعى ضرورة جمعها في موسم التكاثر، واختيار الحجم الملائم من الأمهات، والكمية
المناسبة للتفريخ. والمرحلة الثالثة هي مرحلة التلقيح الاصطناعي التي تستخدم خلالها التقنيات المناسبة لضمان
التلقيح. وبعد ذلك تأتي مرحلة تربية اليرقات وتقنيات استزراعها، والتعرف على العوامل المناسبة لنموها
وبقائها، والحفاظ على جودة الماء حتى مرحلة الاستقرار، ثم التعرف على تقنيات الاستقرار. وأخيراً تأتي مرحلة
نقل الصغار إلى البيئة الطبيعية للنمو.
- إعداد الأغذية الحية:
في معظم المفرخات، تتم تصفية مياه البحر ومعالجتها بالأشعة فوق البنفسجية بهدف التخلص من الملوثات،
ومن ثم التخلص من الأغذية الحية الموجودة في الماء. ويجب توفير الغذاء لليرقات والصغار وحتى الكبار
من خلال الاستزراع. ويتم اختيار نوعية الغذاء طبقاً للقيمة الغذائية وسهولة الاستزراع. وبالرغم من وجود أنواع
مختلفة لاستزراع الطحالب كغذاء ليرقات بلح البحر فإن محطة تفريخ الصدفيات بماليزيا تستخدم ثلاثة أنواع
من الطحالب الدقيقة التي يتم تحضيرها من خلال فصل السلالات من البيئة الطبيعية.
وتبدأ تغذية يرقات بلح البحر الأخضر من اليوم الثاني من التفريخ، ويعتمد عدد خلايا الطحالب في اليوم على حجم
اليرقات ونوع الطحلب المستخدم. ويبدأ الاستهلاك اليومي ليرقات بلح البحر من 000ر20 خلية لكل ملي لتر
في اليوم الثاني من التفريخ إلى 000ر60 خلية لكل ملي لتر عند مرحلة الاستقرار. - تكييف الأمهات والتلقيح الاصطناعي:
يتم اختيار الأمهات بناءً على بعض الخصائص كالنمو السريع ومقاومة الأمراض وحجم اللحم. وبعد جمع
الأمهات من الطبيعة يتم تنظيف الصدفة الخارجية من الحيوانات اللاصقة وغسلها جيداً. ويجب المحافظة
على جودة بيئة التلقيح، والتأكد من خلوها من الملوثات. وتوضع الأمهات بعد الجمع في سلة بلاستيكية داخل
الأحواض وبدرجات حرارية طبيعية. ويمكن تقدير مستوى النضج من خلال فحص المناسل تحت المجهر.
وعند الحاجة إلى التلقيح الاصطناعي يتم حفز الأمهات للتفريخ عن طريق الصدمة الباردة، ومن خلال خفض درجات
الحرارة بمقدار 4 درجات يوضع قطعة ثلج في ماء البحر. كما يمكن حفز الأمهات للتلقيح من خلال تغيير نسبة
الملوحة. - الإخصاب وتطور البويضة:
يتم الإخصاب من خلال جمع 10 حيوانات منوية لكل بويضة. وتوضع البويضات لفترة 24 ساعة للتطور والنمو
حتى ظهور مرحلة اليرقات ذات شكل حرف D. - تطور البويضة:
تبدأ اليرقة بالظهور بعد مرور 24 ساعة. وتعرف عندئذ باليرقة المبكرة، ويكون حجمها آنئذ 70 ميكرون،
ثم تبدأ بالتطور لتصل مرحلة تعرف بالأمبو وبحجم 120 ميكرون، وتتطور بعد زهاء 10 أيام لتصبح اليرقة العينية
ذات حجم 260 ميكرون، لتبدأ بالاستقرار بعد أسبوعين ليصبح حجمها 300 ميكرون. وبعد مرور أسبوعين
تبدأ اليرقات بالاستقرار على خيوط الشباك المستخدمة خصيصاً لهذا الغرض إلى أن يصل حجم نموها 5 مليمترات،
ثم تنقل للحضانة أو إلى بيئتها الطبيعية للنمو والتربية إلى الحجم التجاري.
أنظمة التربية:
يمكن تصنيف طرق استزراع بلح البحر بصفة عامة إلى نظامين، هما الاستزراع القاعي Bottom Culture،
والاستزراع بعيداً عن القاع Culture off Bottom.
1- طريقة الاستزراع القاعي Sea Bottom Culture:
وهي قليلة الاستخدام، وتتم عن طريق جمع بلح البحر بكميات كبيرة من بيئته الطبيعية التي يكون النمو فيها
بطيئاً بسبب الازدحام والتكدس، ونشره في القاع للنمو حتى مرحلة الحصاد. ويجب أن يكون القاع ثابتاً وقوياً
حتى تلتصق عليه الصغار. وهناك طريقة أخرى تتلخص في وضع أصداف القواقع في القاع لاستقرار الصغار فيها.
ومن سلبيات هذه الطريقة كون أفراد بلح البحر تكون فيها عرضة للافتراس من قبل سرطان البحر ونجم البحر.
كما أن مواقع نموها قد تتعرض لترسب الطمي عليها مع مرور الزمن. وتستخدم هذه الطريقة بشكل واسع
في كل من هولندا والدانمارك وألمانيا.
2-الاستزراع بعيداً عن القاع
Culture off Bottom:
يمكن تقسيم هذا النظام إلى ثلاث طرق: - الاستزراع بالأعمدة أو العصى
Pole or Bouchot Culture:
وهي عبارة عن صف من الأعمدة توضع في القاع عند مواقع استقرار الصغار في فترة موسم التكاثر
للالتصاق عليها. وعندما تنمو الصغار يتم نقلها إلى أعمدة أخرى في المناطق الضحلة من نفس البيئة.
وتستخدم هذه الطريقة في السواحل الفرنسية المطلة على المحيط الأطلنطي. - الاســتــزراع بـالأطـواف
Raft Culture:
تعَدُّ هذه الطريقة الأكثر تقدماً واستخداماً، وهي تعطي حالياً أفضل النتائج، فهي تتحكم في هجوم المفترسات،
وفي كثافة بلح البحر إضافة إلى أحوال التغذية الجيدة.
3.الاستزراع بالخيوط الطويلة
Longline Culture:
تستخدم هذه الطريقة من الاستزراع في المياه الضحلة وفي عمق يتراوح ما بين 10 إلى 15 مترا. وتتسم
هذه الطريقة بمقاومتها للتيارات المائية العالية لا سيما في مواسم هيجان البحر. وهي تجرى باستخدام حبل
طويل طوله 60 مترا مصنوع من بلاستيك HPD يتراوح سمكه من 20 إلى 24 مليمترا، وفي نهاية كل طرف
من طرفي الحبل توضع مرساة تزن 150 كيلوجراما، ويستخدم عدد من البراميل للعمل كطافيات على سطح
الماء، وتبلغ سعة كل برميل منها 100 لتر، وهي تثبت ثم تترك مسافة فيما بينها مقدارها 3 أمتار. كما توجد
حبال عمودية بطول 6 أمتار تعلق بمسافة 75 سنتيمترا بين كل طافية، ويحتوي كل حبل منها على صغار
بلح البحر.
وقد تمت تجربة بلح البحر في سلطنة عمان بطريقة الأطواف بهدف معرفة حجم النمو. وبدأت التجربة
باستخراج الصغار ذات أحجام 18 مليمترا من الصخور وتربيتها على الحبال المعلقة، وبعد مرور خمسة أشهر
وصل حجمها إلى 65 مليمترا. وقد أظهرت النتائج أن معدل النمو الشهري هو 7 مليمترات. أما من الناحية
الإنتاجية فقد وضع زهاء كيلو جرام من الصغار في الحبل الواحد فوصل إلى 10 كيلو جرامات بعد مرور ستة
أشهر. وتعَدُّ هذه النتائج جيدة مقارنة بزمن الإنتاج وبالنتائج التي تم تحقيقها في الدول المجاورة.
من هنا وهناك
خبراء التغير المناخي:
لا بد من تحول هائل إلى الطاقة النظيفة
قال تقرير للأمم المتحدة صدر مؤخرا حول كيفية الحد من التغير المناخي: إنه يجب أن يتحرك العالم بسرعة
لتفادي استخدام أنواع الوقود التي تخلف كميات كبيرة من الكربون.
وقال التقرير الصادر في برلين عن اللجنة الدولية للتغير المناخي: لا بد من «تحول هائل» إلى الطاقة المتجددة
والنظيفة في ظل المستوى الحالي لدرجة الحرارة، وخطورة الزيادة السريعة في انبعاثات الكربون. وذكر
التقرير أن الاعتماد على الفحم كمصدر للطاقة بشكل مكثف منذ مطلع الألفية الثالثة يتناقض مع الاتجاه
طويل الأجل نحو خفض نسبة الكربون من المعروض العالمي من الطاقة. وجاء فيه أيضا: إن الغاز الطبيعي
يعد جسرا رئيسيا يعبر بإنتاج الطاقة بعيدًا عن استخدام النفط والفحم. وقال راجندرا باتشوري، رئيس اللجنة
الدولية للتغيرات المناخية: «إن قطار التحول إلى الوقود النظيف يجب أن يغادر المحطة قريبًا، ولابد أن يلحق
المجتمع الدولي به».
وقال يوبا سوكونو، الرئيس المشارك لمجموعة العمل الثالثة التابعة للجنة: «إن صناع السياسات هم ملاحو
(السفينة)، ولا بد أن يتخذوا القرارات، في حين إن العلماء هم من يرسمون الخارطة».
وفي غضون ذلك، شدد إد دايفي، وزير الطاقة والتغير المناخي البريطاني، على ضرورة إطلاق تحذير عالمي
من خطورة الطاقة التقليدية ومتابعته بشتى الوسائل التكنولوجية. وقال: «بإمكاننا تحقيق ذلك، ويجب علينا
فعله لأن الأمر ينطوي على تحدٍ كبير وتهديد لاقتصادنا ومجتمعاتنا وصحتنا وأمننا الغذائي في جميع أنحاء
العالم. ويوضح تقرير الأمم المتحدة أنه بإمكاننا تحقيق ذلك التحول إذا توافرت لدينا الإرادة السياسية».
وأكد دايفي أن حكومة بريطانيا كانت لها الريادة في استغلال موارد الطاقة المتجددة. ودلل على ذلك قائلًا
«ضاعفنا، على سبيل المثال، كمية الكهرباء المتولدة من مصادر طاقة متجددة خلال السنوات القليلة الماضية.
وربما تجاوزنا الأهداف التي وضعناها من قبل لكمية الكهرباء المتولدة من مصادر طاقة متجددة. ولكن يتعين
علينا أن نبذل جهودا أكبر».
ويُذكر أن نحو نصف انبعاثات الكربون التي تولدت نتيجة النشاط الإنساني منذ عام 1750 انبعثت خلال
الأربعين سنة الماضية فقط. وقد سجلت معدلات انبعاثات الكربون زيادة بسرعة منذ عام 2000 رغم الأزمة
الاقتصادية التي شهدها العالم.
وجدير بالذكر أنه بحلول عام 2100، من المتوقع أن يتراوح ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض
بين 3.7 و4.8 درجة مدفوعةً بالزيادة السكانية والنشاط الاقتصادي إذا لم يُتخذ إجراء حيال ذلك. ويمثل ارتفاع
درجات حرارة سطح الأرض أكثر من درجتين مئويتين خطرًا كبيرًا فيما يتعلق بالآثار الملموسة للتغير المناخي.
وعلى الرغم من ذلك يقول العلماء المشاركون في إعداد التقرير إن هذا الموقف يمكن تداركه. فتفادي
ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض بواقع درجتين مئويتين يحتاج إلى أن تتراجع أجزاء الكربون في الهواء
إلى 450 جزءا لكل مليون بحلول عام 2100.
وحتى يتحقق الهدف، لابد من أن تتراجع تلك الأجزاء إلى ما يتراوح ما بين 40 إلى 70 في المائة في 2050
عما كانت عليه في 2010.
تباطؤ ظاهرة الاحتباس الحراري قد يستمر عقدا آخر
أظهر بحث جديد أن تباطؤ ظاهرة الاحتباس الحراري قد يستمر لعشر سنوات أخرى. ويجتهد العلماء
في تفسير هذا التباطؤ الذي بدأ عام 1999، رغم زيادة معدلات ثاني أكسيد الكربون في الجو. وتظهر
أحدث النظريات أن دورة بحرية تحدث في المحيط الأطلنطي كل 30 عاما قد تكون وراء هذا التباطؤ،
إذ تستمر هذه الدورة في تحويل الحرارة إلى قاع البحار، وإن كانوا يحذرون من عودة درجات حرارة الأرض
إلى الارتفاع بشدة عند بدء الطور الأدفأ من هذه الدورة.
وبحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، زاد متوسط درجات الحرارة عالميا بحوالي
0.05 درجة مئوية خلال العقد ما بين 1988 و2012، مقارنة بمعدل 0.12 في العقد ما بين عامي
1951 و2012.
ومن بين النظريات المفسرة لهذا التباطؤ: زيادة معدلات التلوث، مثل غازات الكربون التي تعكس بعض حرارة
الشمس إلى الفضاء الخارجي. كما كان تزايد النشاط البركاني منذ عام 2000 أحد تفسيرات ظاهرة التباطؤ،
بسبب تأثيره على النشاط الفضائي.
وتتجه أحدث التفسيرات إلى دراسة المحيطات كأحد مناطق اختفاء الحرارة. ويشير البحث الأخير،
الذي أعده فريق في جامعة واشنطن بالولايات المتحدة، إلى توافر دليل على وجود تيار بحري مدته
ثلاثين عاما في المحيط الأطلنطي، يتبادل رفع وخفض درجة حرارة الأرض من خلال سحب كميات كبيرة
من الحرارة إلى أعماق المحيط. وقد استخدمت في هذا البحث أجهزة لاختبار المحيطات على أعماق
ألفي متر.
ويقول الباحثون إن الأرض تعرضت لتباطؤ سابق بين عامي 1945 و1975، إذ سحب التيار البحري
الأطلنطي الكثير من الحرارة بشكل أثار مخاوف من حدوث عصر جليدي جديد.
لكن بدءا من عام 1976، انقلبت الدورة البحرية لتعيد رفع درجة الحرارة في العالم، إذ بقي المزيد
من الحرارة على السطح. ومجددا، منذ عام 2002، عادت الحرارة إلى أعماق المحيط، ولم ترتفع درجات
الحرارة عن المعدل الذي سجل عام 1998.
وتعتبر دراسة ملوحة المياه أحد عوامل فهم ظاهرة التباطؤ، فالتيارات الأطلنطية القادمة من المناطق
المدارية تكون أكثر ملوحة بسبب زيادة معدلات البخر. وتغرق هذه التيارات في قلب المحيط بشكل أسرع،
حاملة معها الحرارة. إلا أن المياه المالحة تذيب المزيد من الجليد في المناطق القطبية مع مرور الوقت،
بشكل يقلل من ملوحة المياه، مما يبطئ من سرعة التيارات الأطلنطية ويبقي المزيد من الحرارة
على سطح المياه.
ويقول الدكتور كا-كيت تونغ، قائد الفريق البحثي: «قبل عام 2006، كانت ملوحة المياه تزيد، مما دل على زيادة
سرعة التيار البحري. وبعد عام 2006، قلت نسبة ملوحة المياه لكنها لم تنخفض عن متوسط معدلاتها على المدى
البعيد. وبمجرد انخفاضها عن هذا المتوسط، تبدأ المرحلة التالية من الارتفاع السريع في درجات الحرارة».
وبفحص سجلات تعود لأكثر من 350 عاما عن حرارة الأرض، يرى تونغ أن دورة التدفئة والتبريد التي تستمر
لـ 70 عاما حقيقية، وأن دورة التباطؤ الحالية قد تمتد لعشر سنوات مقبلة.
ويؤكد باحثون صحة الفرضية التي طرحها تونغ، ويرونها دليلا جديدا على تأثير المحيط الأطلنطي
في تباطؤ الاحتباس الحراري. في حين يرى آخرون أنها فرضية جديرة بالاهتمام، لكنها تحتاج إلى المزيد
من المتابعة لوقت أطول لثبوت صحتها.
ويرى تونغ أنه بغض النظر عن أسباب التباطؤ ومدته، فإن درجات حرارة الأرض في حالة صعود، ستظهر
جلية عندما تنقلب دورة التيارات الأطلنطية مرة أخرى.














