
شط العرب
ملتقى الرافدين وممر حضاري واستراتيجي في المنطقة البحرية لروبمي
يُعد شط العرب أحد أهم الممرات المائية في المنطقة البحرية التابعة للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (روبمي)، لما يمثله من قيمة جغرافية وبيئية وتاريخية واقتصادية كبرى. ويتكوّن النهر من التقاء نهري دجلة والفرات في منطقة القرنة شمال مدينة البصرة جنوب العراق، قبل أن يواصل جريانه نحو الخليج عند مدينة الفاو، أقصى جنوب العراق.

وعُرف شط العرب تاريخيًا باسم «دجلة العوراء» قبل القرن الخامس الهري، وشكّل عبر العصور شريانًا حيويًا للتجارة والملاحة والزراعة والاستقرار البشري في المنطقة، كما ارتبط اسمه بتاريخ الخليج والتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة.
الموقع الجغرافي والتكوين الطبيعي
ينشأ شط العرب من التقاء نهري دجلة والفرات عند منطقة القرنة، ويبلغ طوله نحو 190 – 204 كيلومترات بحسب طرق القياس المختلفة، فيما يتراوح عرضه بين كيلومتر واحد قرب مدينة البصرة وأكثر من كيلومترين عند المصب في الخليج.
ويمتد النهر جنوبًا مرورًا بعدد من المدن والمناطق العراقية المهمة، من أبرزها البصرة، كرمة علي، التنومة، أبي الخصيب، والفاو.
كما تتفرع منه شبكة من الجداول والأهوار والقنوات المائية التي أسهمت تاريخيًا في تشكيل واحدة من أكثر البيئات الزراعية خصوبة في المنطقة، خاصة في مجال زراعة النخيل.
وتتميّز ضفاف شط العرب بوجود بساتين النخيل الكثيفة التي كانت تُعد من أكبر تجمعات النخيل في العالم، رغم ما تعرضت له خلال العقود الماضية من أضرار بسبب الحروب والتغيرات البيئية والإهمال.

البيئة الجيولوجية لشط العرب
تصنّف الدراسات الجيولوجية منطقة جنوب العراق، وخاصة منطقة شط العرب، ضمن المناطق غير المكتملة التكوين الجيولوجي، حيث تشكّلت عبر آلاف السنين نتيجة تراكم الترسبات النهرية القادمة من دجلة والفرات ونهر كارون والأودية الغربية.
ويرى عدد من الباحثين أن الترسبات التي حملتها الأنهار ساهمت في تكوين حواجز طبيعية أعاقت وصول مياه الرافدين مباشرة إلى الخليج، ما أدى إلى تشكل منخفضات مائية تجمعت فيها المياه قبل أن تنساب تدريجيًا لتكوّن مجرى شط العرب الحالي.كما شهدت المنطقة تغيرات مستمرة في المجاري المائية والترسبات الطينية بفعل المد والجزر والتأثيرات الطبيعية والبشرية، الأمر الذي جعلها بيئة ديناميكية ذات أهمية جيومورفولوجية كبيرة
الأهمية البيئية والزراعية
يمثل شط العرب نظامًا بيئيًا غنيًا ومتنوعًا، إذ يجمع بين المياه العذبة القادمة من نهري دجلة والفرات والمياه المالحة القادمة من الخليج ، ما يخلق بيئة انتقالية فريدة تدعم العديد من الأنواع النباتية والحيوانية
وقد اشتهرت المنطقة تاريخيًا بزراعة النخيل، حيث كانت تضم ملايين الأشجار التي شكّلت مصدرًا اقتصاديًا وغذائيًا مهمًا لسكان جنوب العراق. كما أسهمت وفرة المياه العذبة في إنشاء آلاف الجداول والقنوات الزراعية منذ العصور الإسلامية الأولى.
وتنتشر على ضفاف شط العرب مناطق طبيعية وجمالية مميزة، مثل كورنيش السياب في البصرة، كورنيش القصر، بساتين التنومة وأبي الخصيب وهي مناطق تعكس الطابع البيئي والتراثي الفريد للمنطقة.
الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية
يحظى شط العرب بأهمية استراتيجية بالغة، كونه المنفذ البحري الرئيسي للعراق على الخليج ، وأحد أهم الممرات المائية في المنطقة، وتتمثل أهميته في عدة جوانب، أبرزها:
الملاحة البحرية
يُستخدم شط العرب كممر ملاحي رئيسي للسفن التجارية وناقلات النفط، حيث تمتد الملاحة البحرية من مصبه في الخليج حتى موانئ البصرة، ومنها ميناء المعقل.
قطاع النفط والطاقة
ازدادت أهمية شط العرب بشكل كبير مع اكتشاف النفط في العراق وإيران مطلع القرن العشرين، إذ أصبح معبرًا حيويًا لنقل النفط وتصديره عبر الخليج إلى الأسواق العالمية.
الزراعة والموارد المائية
شكّل النهر مصدرًا رئيسيًا للمياه العذبة والري، وأسهم في ازدهار النشاط الزراعي، خاصة زراعة النخيل والمحاصيل التقليدية في جنوب العراق.
لمحة تاريخية
احتفظت منطقة شط العرب بهويتها العربية عبر قرون طويلة، رغم الصراعات الإقليمية والتدخلات الدولية التي شهدتها منطقة الخليج. وخلال العهدين العثماني والفارسي، أصبح شط العرب محورًا للنقاشات الحدودية والمعاهدات الدولية، خاصة مع تصاعد النفوذ الأوروبي في الخليج خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
معاهدة قصر شيرين
معاهدة أرضروم الثانية عام
بروتوكول القسطنطينية عام
اتفاقية عام 1937 بين العراق وإيران
اتفاقية الجزائر
وقد لعبت هذه الاتفاقيات دورًا رئيسيًا في تحديد الوضع القانوني والملاحي لشط العرب، خاصة فيما يتعلق بترسيم الحدود بين العراق وإيران.
شط العرب واتفاقية الجزائر 1975
ظل شط العرب خاضعًا للسيادة العراقية بشكل كامل حتى توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران، والتي نصت على اعتماد خط القعر (خط أعمق نقطة في المجرى الملاحي) كحدود فاصلة بين البلدين في أجزاء من النهر.
وبموجب الاتفاقية أصبح شط العرب نهرًا دوليًا مشتركًا بين العراق وإيران في بعض مناطقه، مع استمرار السيادة العراقية الكاملة على الأجزاء الشمالية منه حتى منطقة المحمرة.
وشكّلت هذه الاتفاقية نقطة تحول مهمة في تاريخ النهر، خاصة مع ارتباطها بالتطورات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة لاحقًا.
التحديات البيئية المعاصرةواجه شط العرب خلال العقود الأخيرة العديد من التحديات البيئية، من أبرزها
وقد أثرت هذه التحديات بشكل مباشر على التنوع البيولوجي والأنشطة الزراعية والمجتمعات المحلية المعتمدة على النهر.
شط العرب في إطار الاهتمام البيئي الإقليمي
يمثل شط العرب جزءًا مهمًا من النظام البيئي البحري في المنطقة البحرية لروبمي، نظرًا لارتباطه المباشر بالخليج وتأثيره على جودة المياه والموائل الساحلية والتنوع البيولوجي.
وتبرز أهمية التعاون الإقليمي في حماية هذا النظام البيئي الحيوي من خلال:
المحافظة على التنوع الأحيائي والموارد الطبيعية
- تعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية
- الحد من التلوث البحري والنفطي
- دعم الدراسات البيئية والجيولوجية
- حماية النظم الساحلية والأهوار
ويظل شط العرب شاهدًا حضاريًا وبيئيًا على تاريخ المنطقة، وأحد أهم الأنهار التي تربط بين البيئة الطبيعية والهوية الثقافية والاقتصادية لشعوب الخليج والمنطقة البحرية لروبمي

