يستعرض هذا الموجز أبرز نتائج التقييم العلمي الشامل الذي أجرته المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (ROPME) حول تأثيرات تغير المناخ على المنطقة البحرية التابعة لها، والتي تضم ثماني دول هي: البحرين، وإيران، والعراق، والكويت، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وتُعد هذه المنطقة من أكثر البيئات البحرية حرارةً وملوحةً في العالم، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ مقارنة بالعديد من المناطق البحرية الأخرى.
ويهدف الموجز إلى توفير أساس علمي يدعم صانعي القرار في الدول الأعضاء من خلال عرض الأدلة الحالية والتوقعات المستقبلية المتعلقة بالمتغيرات المناخية وآثارها البيئية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في تطوير سياسات إقليمية مشتركة للتكيف مع تغير المناخ وتعزيز قدرة النظم البيئية والمجتمعات الساحلية على الصمود.
المنطقة البحرية للمنظمة
تنقسم المنطقة البحرية التابعة للمنظمة إلى ثلاث مناطق رئيسية هي: المنطقة البحرية الداخلية، والمنطقة البحرية الوسطى، والمنطقة البحرية الخارجية، وتتميز كل منها بخصائص فيزيائية ومناخية مختلفة تؤثر في درجة تعرضها لتغير المناخ. وتشمل المنطقة الداخلية الخليج العربي، بينما تمتد المنطقة الوسطى عبر خليج عُمان، وتشمل المنطقة الخارجية الجزء الشمالي من بحر العرب وشمال المحيط الهندي.
أبرز التغيرات المناخية المرصودة والمتوقعة
تشير الدراسات إلى أن المنطقة تشهد تغيرات متسارعة في خصائصها الفيزيائية والكيميائية، من أبرزها:
View more
ارتفاع ملحوظ في درجات حرارة مياه البحر، حيث ارتفع متوسط حرارة سطح البحر بنحو درجة مئوية واحدة خلال العقود الأخيرة، مع توقعات بزيادة قد تتجاوز أربع درجات مئوية في بعض أجزاء المنطقة الداخلية بحلول نهاية القرن الحالي في ظل سيناريو الانبعاثات المرتفعة.
استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر، مع توقعات بزيادة قد تصل إلى نحو 84 سنتيمتراً عالمياً بنهاية القرن، الأمر الذي يزيد من مخاطر الفيضانات الساحلية وتآكل السواحل.
ارتفاع ملوحة المياه نتيجة زيادة معدلات التبخر وانخفاض تدفقات المياه العذبة، إضافة إلى تأثير تصريفات محطات تحلية المياه.
انخفاض تركيز الأكسجين المذاب واتساع المناطق منخفضة الأكسجين، بما يؤثر سلباً في الكائنات البحرية.
انخفاض درجة الحموضة (تحمض المحيطات) نتيجة ازدياد تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، الأمر الذي يهدد الكائنات البحرية المكلسة مثل الشعاب المرجانية.
احتمال ازدياد شدة وتكرار الأعاصير المدارية والعواصف والرياح الشديدة والعواصف الترابية، خاصة في المنطقتين الوسطى والخارجية.
التأثيرات على النظم البيئية البحرية
يتوقع أن يؤدي تغير المناخ، إلى جانب الضغوط البشرية مثل التلوث والتنمية الساحلية، إلى تدهور واسع في النظم البيئية البحرية والساحلية، وتشمل أبرز التأثيرات:
الشعاب المرجانية
شهدت الشعاب المرجانية انخفاضاً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين نتيجة ارتفاع درجات حرارة المياه وتكرار أحداث ابيضاض المرجان، مع توقعات باستمرار تراجعها بسبب الاحترار وتحمض المحيطات والضغوط المحلية، رغم إمكانية تكيف بعض التجمعات المرجانية مع الظروف الجديدة.
أشجار القرم (المانجروف)
تتعرض غابات القرم لخطر فقدان مساحات كبيرة منها بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، وردم السواحل، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الملوحة، وتراجع الرواسب الساحلية، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن العواصف والأعاصير.
الأعشاب البحرية
رغم قدرة الأعشاب البحرية على تحمل درجات الحرارة المرتفعة لفترات محدودة، فإن استمرار الاحترار والعواصف الشديدة والتعكر قد يؤدي إلى تراجعها، مع الإشارة إلى أن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون قد يسهم في زيادة إنتاجيتها في بعض المواقع.
العوالق النباتية
تشير النماذج المناخية إلى انخفاض إنتاجية العوالق النباتية نتيجة تغير التيارات البحرية وتراجع المغذيات والأكسجين، وهو ما سينعكس سلباً على السلسلة الغذائية البحرية وإنتاجية المصايد.
الأسماك والكائنات البحرية
من المتوقع انقراض ما يصل إلى 10% من أنواع الأسماك في المنطقة البحرية الداخلية بحلول نهاية القرن، مع انخفاض إنتاجية أنواع اقتصادية مهمة مثل التونة والسردين، وتغير تركيبة مجتمعات أسماك الشعاب المرجانية بعد أحداث الابيضاض لبعض مناطق الشعاب المرجانية. وفي المقابل، قد تزداد وفرة بعض الرخويات مثل الحبار والسبيط نتيجة قدرتها الأكبر على التكيف.
قناديل البحر والطحالب الضارة
يتوقع ازدياد تكرار وانتشار تجمعات قناديل البحر والازدهارات الطحلبية الضارة، مما يؤدي إلى نفوق الأسماك، وتعطيل عمل محطات التحلية والصناعات الساحلية، فضلاً عن تأثيرات محتملة على صحة الإنسان.
الطيور والثدييات والسلاحف البحرية
تتعرض الطيور البحرية لفقدان موائلها نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف، بينما تؤثر درجات الحرارة المرتفعة في نسب جنس صغار السلاحف البحرية ونجاح تعشيشها. كما قد تتأثر أبقار البحر بصورة غير مباشرة نتيجة تراجع الأعشاب البحرية، في حين يرتبط مستقبل الدلافين والحيتان بتوافر مصادرها الغذائية أكثر من ارتباطه بالتغيرات الفيزيائية المباشرة.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية
يتوقع أن يمتد تأثير تغير المناخ إلى مختلف القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالبحر، ومن أبرزها:
- مصايد الأسماك والاستزراع المائي
ستتأثر الموارد السمكية بارتفاع درجات الحرارة ونقص الأكسجين وتغير الملوحة، كما ستواجه مزارع الأسماك والروبيان مخاطر متزايدة نتيجة الأمراض البحرية والطحالب الضارة وقناديل البحر والعواصف.
- محطات تحلية المياه
ستتعرض محطات التحلية لتحديات متزايدة نتيجة انسداد مآخذ المياه بقناديل البحر والطحالب الضارة، وتدهور جودة مياه البحر، وارتفاع الملوحة، إضافة إلى مخاطر الفيضانات الساحلية وارتفاع مستوى سطح البحر.
- محطات توليد الكهرباء
قد يؤدي ارتفاع حرارة مياه البحر إلى انخفاض كفاءة أنظمة التبريد في المحطات الساحلية، بينما قد تستفيد مصادر الطاقة البحرية المتجددة من زيادة سرعة الرياح والأمواج.
- النقل البحري
من المتوقع أن تؤدي التغيرات في شدة العواصف والأعاصير والأمواج إلى زيادة مخاطر الحوادث البحرية وتعطل الملاحة وعمليات الموانئ، مع ارتفاع احتمالات التلوث البحري.
- قطاع النفط والغاز
تواجه المنشآت النفطية الساحلية ومصافي التكرير ومحطات الغاز الطبيعي المسال مخاطر متزايدة من الفيضانات والعواصف، إضافة إلى احتمال تأثر خطوط الأنابيب والكابلات البحرية.
- المستوطنات الساحلية
تعد المدن الساحلية المنخفضة في البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة من أكثر المناطق عرضة للفيضانات الساحلية، كما يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر البنية التحتية، وأنظمة الصرف الصحي، والجزر الطبيعية والاصطناعية، مع زيادة احتمالات انتقال مسببات الأمراض البحرية إلى مناطق جديدة.
- السياحة والترفيه
قد يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتدهور الموائل الساحلية والشعاب المرجانية وتآكل الشواطئ إلى انخفاض جاذبية السياحة الساحلية، وإلحاق أضرار بالمواقع الطبيعية والتراثية.
الحلول القائمة على الطبيعة
يؤكد التقرير أهمية الحلول القائمة على الطبيعة باعتبارها من أكثر وسائل التكيف فعالية، وتشمل:
- حماية واستعادة غابات القرم والأعشاب البحرية والمستنقعات المالحة.
- تعزيز الإدارة المستدامة لمصايد الأسماك.
- الحد من مصادر التلوث والضغوط البشرية الأخرى.
- الحفاظ على موائل الكربون الأزرق التي تسهم في امتصاص وتخزين ثاني أكسيد الكربون، وتعزيز حماية السواحل ودعم التنوع الأحيائي.
فجوات المعرفة
يشير الموجز إلى وجود نقص في البيانات طويلة الأمد المتعلقة بدرجات الحرارة ومستوى سطح البحر ودرجة الحموضة، إضافة إلى محدودية النماذج المناخية الإقليمية عالية الدقة، وضعف الدراسات المتعلقة بالآثار الاجتماعية والاقتصادية، وعدم كفاية المعرفة بقدرة الأنواع البحرية على التكيف مع التغيرات المناخية والضغوط البشرية المتزامنة.
الخطوات المستقبلية
تواصل المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية تنفيذ خطة عملها الإقليمية بشأن تغير المناخ، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتطوير قاعدة علمية مشتركة، ودعم تقييم المخاطر المناخية، وتحديد أولويات التكيف، مع التركيز على موائل الكربون الأزرق وبناء القدرات الوطنية والإقليمية. كما تسهم مخرجات الخطة في دعم إعداد السياسات والاستراتيجيات الوطنية، وتعزيز حضور قضايا المناخ البحري للمنطقة على المستويين الإقليمي والدولي.
الخلاصة
يخلص التقرير إلى أن المنطقة البحرية التابعة للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية تعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً لتداعيات تغير المناخ، نظراً لظروفها البيئية القاسية وضغوط التنمية الساحلية. ومن المتوقع أن تؤثر التغيرات المناخية في خصائص البيئة البحرية، والتنوع الأحيائي، والأمن الغذائي، والبنية التحتية الساحلية، والاقتصادات الوطنية، الأمر الذي يتطلب تعزيز التعاون الإقليمي، والاستثمار في البحث العلمي والرصد البيئي، وتطبيق إجراءات التكيف القائمة على الطبيعة، لضمان استدامة النظم البيئية البحرية وحماية المجتمعات والموارد الساحلية للأجيال القادمة.













