يتناول هذا الإصدار مفهوم الاقتصاد الأخضر باعتباره أحد أهم الاتجاهات الحديثة في الفكر البيئي والتنموي، حيث ظهر المصطلح حديثاً مع مبادرة برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2008، وتم اعتماده عالمياً كأحد محاور تحقيق التنمية المستدامة، خاصة خلال مؤتمر “ريو+20″. ويُعرَّف الاقتصاد الأخضر بأنه نموذج اقتصادي يهدف إلى تحقيق رفاهية الإنسان والعدالة الاجتماعية مع الحد من المخاطر البيئية وتقليل استنزاف الموارد الطبيعية. وهو يقوم على خفض الانبعاثات الكربونية، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز الشمول الاجتماعي، في مقابل الاقتصاد التقليدي (البني) الذي يعتمد على الوقود الأحفوري ويؤدي إلى التلوث والتدهور البيئي. يرتبط الاقتصاد الأخضر ارتباطاً وثيقاً بالبيئة من خلال ما يُعرف بـ”خدمات النظم البيئية” التي تشمل الخدمات التموينية (كالغذاء والمياه)، والتنظيمية (كتنظيم المناخ وتنقية المياه)، والثقافية، والمساندة (مثل تكوين التربة). وتُعد هذه الخدمات أساساً لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. وقد نشأ مفهوم الاقتصاد الأخضر نتيجة تفاقم الأزمات العالمية، مثل الأزمات المالية والغذائية، والتغير المناخي، وتدهور الموارد الطبيعية، وفقدان التنوع البيولوجي. لذلك، أصبح التحول إليه ضرورة حتمية لمواجهة هذه التحديات، والحد من الفقر، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. ويهدف الاقتصاد الأخضر إلى دمج التنمية الاقتصادية مع حماية البيئة، تحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الهدر، خلق فرص عمل خضراء، تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الفقر، والحد من التلوث والانبعاثات الضارة. تشمل مجالات الاستثمار في الاقتصاد الأخضر قطاعات متعددة مثل الطاقة المتجددة، الزراعة المستدامة، إدارة المياه، النقل النظيف، إدارة النفايات، والبناء الأخضر. كما يتطلب التحول إليه إصلاحات في السياسات الاقتصادية، وتوفير الحوافز، وتطوير التشريعات البيئية. ويؤكد الإصدار أن الاقتصاد الأخضر ليس بديلاً عن التنمية المستدامة، بل أداة رئيسية لتحقيقها، حيث إن الاستدامة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح الأنظمة الاقتصادية الحالية التي تعتمد على الاستنزاف السريع للموارد. كما يناقش التحديات المرتبطة بالتحول إلى الاقتصاد الأخضر، مثل بطء التغيير، والحاجة إلى تعديل السلوكيات والسياسات، إضافة إلى انتشار بعض المفاهيم الخاطئة، مثل الاعتقاد بوجود تعارض بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، أو أن الاقتصاد الأخضر حكر على الدول الغنية، وهو ما تم دحضه من خلال الأدلة والتجارب الدولية. ويستعرض الإصدار الواقع العالمي، حيث أدى النمو الاقتصادي غير المستدام إلى استنزاف الموارد الطبيعية، وتدهور الأنظمة البيئية، وارتفاع نسب التلوث، مما يعزز الحاجة إلى تبني الاقتصاد الأخضر كخيار استراتيجي عالمي. أما على صعيد المستقبل، فيؤكد أن نجاح الاقتصاد الأخضر يعتمد على التعاون الدولي والإرادة السياسية، وأنه يمثل فرصة لبناء اقتصاد نظيف يحقق التوازن بين الإنسان والبيئة. وفيما يتعلق بدور المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (ROPME)، فإنها تعمل على دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر من خلال تعزيز التوعية البيئية، تشجيع خفض الانبعاثات الكربونية، دعم استخدام الطاقة المتجددة، وحث الدول الأعضاء على تبني سياسات بيئية مستدامة. كما حددت المنظمة ثمانية قطاعات رئيسية للعمل، تشمل الزراعة، الصناعة، الطاقة، المياه، المدن، النقل، النفايات، والسياحة، واتخذت شعار “الاقتصاد الأخضر والبيئة البحرية” محوراً لاحتفالاتها بيوم البيئة الإقليمي لعام 2014. ويخلص الإصدار إلى أن الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة لضمان مستقبل مستدام وآمن للأجيال القادمة، والحفاظ على موارد كوكب الأرض.












