يُعدّ كتاب «البيئة البحرية المفتوحة في منطقة روبمي بعد التلوث النفطي المرتبط بالحرب: نتائج رحلات سفينة أوميتاكا-مارو 1993–1994» مرجعًا علميًا متكاملًا يقدّم تقييمًا شاملاً لحالة البيئة البحرية في منطقة روبمي (RSA) عقب الكارثة البيئية التي نتجت عن التسربات النفطية خلال حرب الخليج 1990–1991.
تقع المنطقة البحرية لمنظمة روبمي ضمن نطاق ثماني دول هي: البحرين، إيران، العراق، الكويت، عُمان، قطر، المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة. وقد شهدت هذه المنطقة نموًا اقتصاديًا متسارعًا نتيجة استغلال النفط والغاز، إلا أن هذا النمو صاحبه ضغوط بيئية كبيرة تمثلت في تدهور الموائل الساحلية، والصيد الجائر، والتوسع العمراني والصناعي، بالإضافة إلى التلوث النفطي المزمن. وقد تفاقمت هذه التحديات بشكل كارثي خلال الحرب، حيث تم تسرب نحو 10 ملايين برميل من النفط إلى البحر، إلى جانب حرائق الآبار النفطية وما نتج عنها من تلوث واسع.
واستجابةً لذلك، أُطلقت جهود دولية مشتركة بقيادة المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (روبمي)، وبالتعاون مع اللجنة الدولية لعلوم المحيطات (IOC) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، بهدف تقييم آثار التلوث وتعزيز فهم العمليات البيئية في المنطقة. وشكّلت رحلات سفينة «أوميتاكا-مارو» خلال الأعوام 1993–1994 عنصرًا رئيسيًا في هذه الجهود، استكمالًا لدراسات سابقة أبرزها بعثة «ماونت ميتشل» عام 1992.
هدفت هذه الدراسات إلى تقديم تحليل متكامل متعدد التخصصات يشمل الجوانب الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للبيئة البحرية، من خلال مسوحات ميدانية واسعة ودراسات متخصصة لتقييم آثار التلوث. وشملت محاور البحث دراسة الخصائص الهيدروغرافية، وديناميكيات الكتل المائية، وتحليل الرواسب، وتوزيع الهيدروكربونات، وعمليات التحلل الحيوي، والإنتاجية البيولوجية، إضافة إلى دراسة الكائنات البحرية مثل الأسماك والروبيان والرخويات.
وأظهرت النتائج أن منطقة روبمي البحرية تتميز بخصائص محيطية فريدة ناتجة عن ارتفاع معدلات التبخر، وقلة مصادر المياه العذبة، والتباين الكبير في درجات الحرارة الموسمية، ما يؤدي إلى ارتفاع شديد في الملوحة، خاصة في المناطق الجنوبية. وينتج عن ذلك نظام دوران مائي يُعرف بـ«المصب العكسي»، حيث تدخل المياه الأقل ملوحة من خليج عُمان عبر مضيق هرمز في الطبقات السطحية، بينما تتكوّن مياه عالية الملوحة داخل الخليج وتخرج عبر الطبقات العميقة.
وأكدت القياسات الهيدروغرافية خلال رحلات «أوميتاكا-مارو» وجود أنماط ثابتة لتوزيع درجات الحرارة والملوحة، مع انخفاض درجات الحرارة وارتفاع الملوحة قرب السواحل الجنوبية، وظهور جبهات ملحية واضحة. كما سُجلت مستويات ملوحة مرتفعة جدًا (تتجاوز 44)، نتيجة التبخر الشديد والتبريد الشتوي.
كما أبرزت الدراسات الدور الحيوي لمضيق هرمز كممر رئيسي لتبادل المياه، حيث يتميز بتيارات مدّية وكثافية معقدة، تجمع بين التدفقات الناتجة عن المد والجزر (Barotropic) والتدفقات المرتبطة بالفروقات الكثافية (Baroclinic)، مما يؤكد طبيعة النظام الشبيهة بالمصبات.
وعلى الصعيد الكيميائي، أظهرت النتائج وجود مستويات مرتفعة من الهيدروكربونات والمعادن الثقيلة في المياه والرواسب والكائنات البحرية، نتيجة التلوث المزمن وتأثيرات الحرب. أما بيولوجيًا، فقد لوحظت تأثيرات على توزيع العوالق والإنتاجية الأولية وبعض الأنواع البحرية، مع توفير بيانات مرجعية مهمة لمتابعة التعافي البيئي على المدى الطويل.
بشكل عام، يمثّل هذا العمل إنجازًا علميًا بارزًا في فهم حالة البيئة البحرية في منطقة روبمي البحرية بعد الحرب، ويؤكد أهمية تعزيز التعاون الإقليمي، والاستمرار في برامج الرصد البيئي، وتطبيق إدارة متكاملة لحماية النظم البيئية البحرية وضمان استدامة مواردها.












