نشرة البيئة البحرية العدد 73 (يوليو – أغسطس – سبتمبر2007)
- إعادة تأهيل الأهوار العراقية
- القرش: الفك المفترس
نشرة دورية تصدر عن سكرتارية المنظمة وهي لا تعبر بالضرورة عن رأي المنظمة أو الدول الأعضاء
هيئة استشارية
د. حسن محمدي – د. حسن البنا عوض – كابتن عبد المنعم الجناحي – أ. علي عبد الله
التحرير والمادة العلمية
محمد عبدالقادر الفقي
الإشراف الفني
عبدالقادر بشير أحمد
خدمات إدارية
هناء العارف – زبيدة أغا – عزيزة البلوشي – وهيبة عبدالرحمن
العنوان
الجابرية – ق 12 – ش101 – قسيمة 84 ص ب 26388 الصفاة رمز بريدي 13124 الكويت تلفون: ٤-٥٣١٢١٤٠
فاكس : ٥٣٣٥٢٤٣ – ٥٣٢٤١٧٢
Website: www.ropme.org
E.Mail:ropme@qualitynet.net
Website: www.memac-rsa.org
E-Mail: memac@batelco.com.bh
اقرأ في هذا العدد
- ورشة عمل حول التوعية البيئية للصحفيين في طهران. ص 4
- الاجتماع التمهيدي بشأن الخطة الرئيسية العراقية حول حماية البيئة البحرية. ص 5
- إعادة تأهيل الأهوار العراقية. ص 6
- هل تقع منطقتنا البحرية في نطاق الأعاصير؟(2) ص 14
- إنه الفك المفترس… إنه سمك القرش. ص 21
- مكتبة البيئة: الاستراتيجية الوطنية للبيئة في مملكة البحرين(1). ص 27
- والأسماك تصوم أيضاً. ص 35
الافتتاحية
شمس جديدة تشرق بالأمل على منطقتنا البحرية.
فبعد سنوات من الجهد الدؤوب والعمل المستمر، تحقق الحلم الذي كان يراود البيئيين في الدول الأعضاء في المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، وهو أن تصبح منطقة عمل المنظمة ذات صفة خاصة على المستوى الدولي، بحيث يحرم فيها إلقاء أي نوع من النفايات والمخلفات النفطية أو غيرها من ملوثات البيئة البحرية.
ولم يكن الطريق إلى تحقيق هذا الحلم سهلا. فالطموحات الكبيرة تحتاج إلى جهد مادي ومعنوي وجماعي لترجمتها إلى واقع ملموس.
ومنذ إنشاء المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية وهي تضع في مقدمة أولوياتها أن تصل إلى اعتراف دولي يكون منطقتها البحرية ذات وضع خاص نظرا الحساسية بيئتها وهشاشة نظمها الإيكولوجية والكم الكبير من الملوثات الذي يتسرب إليها من هنا وهناك من الناقلات التي تلقي مياه توازنها في عرض البحر، ومن للمنشآت الصناعية والمدنية التي تقوم بتصريف المياه العادمة الصناعية ومياه الصرف الصحي إلى البيئات الساحلية.
وقد ظلت المنظمة تحث الدول الأعضاء فيها على الانضمام إلى الاتفاقية الدولية الخاصة بمنع التلوث من السفن (المعروفة باتفاقية ماربول 73/78 وبروتوكولاتها، حتى يمكنها أن تحقق حلم المنطقة الخاصة، وقد قامت المنظمة بتوفير كل الدعم اللازم بما في ذلك إعداد دراسة فنية بشأن مرافق استقبال نفايات السفن. وبدأت الدول الأعضاء في الاستجابة واحدة بعد الأخرى بالانضمام إلى الاتفاقية المذكورة، وإنشاء مرافق الاستقبال واستصدار المراسيم الخاصة بتطبيق الاتفاقية وبنودها. ولما اكتملت حبات العقد بتوقيع دولة الكويت مؤخرا على الاتفاقية المذكورة، صار الطريق مفتوحا أمام المنظمة لتقنع دول العالم بأن منطقة عملها قد صارت مؤهلة لإعلانها منطقة خاصة. ولهذا تقدمت المنظمة بطلب رسمي بهذا الخصوص إلى الاجتماع السادس والخمسين للجنة حماية البيئة بالمنظمة البحرية الدولية. وقد قام اعضاء لجنة حماية البيئة بالمنظمة البحرية الدولية بالتصويت على الطلب فحظي بموافقة الجميع بلا استثناء. وبناء على ذلك أصدرت اللجنة المذكورة قرارا يقضي بوضع منطقة عمل المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية موضع المنطقة الخاصة اعتبارا من الأول من اغسطس ۲۰۰۷، غير أن القرار تضمن بندا ينص على تخصيص فترة سماحمقدارها سنة كاملة تنتهي في الحادي والثلاثين من يولية ۲۰۰۸، حتى يتسنى لكافة الدول والسفن تعديل أوضاعها، والتكيف فنيا وقانونيا مع متطلبات الاتفاقية الدولية الخاصة بتطبيق بنود المنطقة الخاصة، حيث إن هناك الكثير من عقود شركات النقل تحتاج إلى تعديلات قانونية وفنية
إن أهمية القرار المشار إليه أعلاه تتجلى في النتائج المترتبة عليه، فاعتبارا من الأول من أغسطس ۲۰۰۸ (أي بعد نهاية فترة السماح)، سيكون من حق جميع دول المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية أن تقوم بتفتيش السفن التي تمخر مياه المنطقة حتى تقف على مدى تطبيقها لبنود اتفاقية ماربول 73/78 وبروتوكولاتها. وفي حالة عدم استيفاء أية سفينة للمواصفات والشروط الواردة في الاتفاقية المذكورة يحق للدولة التي تبحر في مياهها الإقليمية هذه السفينة أن توقفها وتفرض عليها ما تراه مناسبا من غرامة مالية. كما ان لدول المنطقة الحق في فرض غرامات مالية باهظة ودون اشتراط أي سقف لأي نوع من تسربات الزيوت أو المواد الضارة الأخرى حتى ولو كانت بقايا الزيوت الخفيفة، وبموجب ذلك القرار فإنه يحرم أيضا تسريب مياه الصرف الصحي أو المياه ذات التراكيز الملحية وغيرها من الملوثات بكافة انواعها، فلا يسرب إلى البحر إلا مياه البحر او أية مياه عذبة نقية غير ملوثة من مصبات الأنهار والأهوار.
ان صدور هذا القرار مكسب كبير للمنظمة وتتويج للجهود الكبيرة التي بذلتها في السنوات السابقة. والأهم من ذلك هو أن هذا القرار يعني أن المنطقة البحرية للمنظمة قد بدأت عهدا جديدا ستنعم فيه بالأمن البيئي والله من وراء القصد.
أسرة التحرير
أخبار السكرتارية
ورشة عمل حول التوعية البيئية للصحفيين في طهران
وفقاً للقرار رقم ۱۳ (ج) من قرارات الاجتماع الثالث عشر للمجلس الوزاري للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، وبالتعاون مع نقطة الارتباط الوطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقدت بنجاح ورشة عمل للصحفيين الناطقين بالفارسية في العاصمة الإيرانية (طهران) خلال الفترة من الأول إلى الثالث من بولية ٢٠٠٧م.
وقد استهدفت الندوة تركيز الأضواء على الدور المهم الذي يمكن أن يضطلع به الصحفيون واخصائيو الإعلام في تعزيز التوعية البيئية ونشر الأخبار المتعلقة بالقضايا البيئية الملحة في المنطقة البحرية للمنظمة. كما استهدفت ورشة العمل أيضا تعزيز قنوات الاتصال بين الصحفيين والإعلاميين وبين معاهد التعليم البيئي ومراكز المعلومات البيئية والمنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة بما يتيح تسهيل تدفق المعلومات وتيسير الاتصالات بين هذه الأطراف لنشر المعلومات حول القضايا البيئية بسرعة.
وقد حضر ورشة العمل ممثلو قطاعات الإعلام الرئيسية في طهران والمحافظات الساحلية وممثلو المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة والمعاهد البيئية ومختلف وسائل الإعلام والمهتمون بحماية البيئة، بالإضافة إلى ممثلي المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية ونقطة الارتباط الوطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وقد افتتحت فعاليات ورشة العمل بكلمة للدكتور / سيد محمد باقر نبوي نائب رئيس قسم التوعية البيئية البحرية بإدارة حماية البيئة، كما القى الدكتور / حسن محمدي المنسق العام بالمنظمة الإقليمية الحماية البيئية البحرية كلمة نقل فيها تحيات معالي الدكتور / عبد الرحمن عبد الله العوضي الأمين التنفيذي للمنظمة للمشاركين وتمنياته لهم بالاستفادة من ورشة العمل وإثراء موضوعاتها من خلال الحوار الجاد والمناقشات.
وقد قدم المتحدثون الرئيسيون في ورشة العمل مجموعة من الأوراق العلمية المتعلقة بعناصر ومتطلبات التوعية البيئية ، وكانت الموضوعات التي غطتها هذه الأوراق ما يلي :
- برنامج البيئة البحرية لإدارة البيئة.
- برنامج التوعية البيئية لإدارة البيئة.
- حالة المصائد السمكية والموارد البحرية الأخرى في منطقة عمل المنظمة.
- التحديات البيئية في منطقة عمل المنظمة (مع تركيز خاص على التوعية البيئية).
- السياحة البيئية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
- دور الصحافة ووسائل الإعلام في تعزيز التوعية البيئية.
- الصحافة وحماية البيئة.
كما عرضت على المشاركين ثمانية افلام ذات صلة بموضوع ورشة العمل. ووزعت عليهم ايضاً بعض الإصدارات والكتيبات والمطويات البيئية باللغة الفارسية.
وفي نهاية ورشة العمل وزعت شهادات حضور على المشاركين، وسلمت لهم بعض الهدايا التذكارية.
الاجتماع التمهيدي بشأن الخطة الرئيسية العراقية حول حماية البيئة البحرية
وفقاً لقرارات الاجتماع السابع والعشرين للجنة التنفيذية للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية الذي عقد في الدوحة عاصمة دولة قطر في ١٩ أبريل ۲۰۰۷، عقد في دولة الكويت الاجتماع التمهيدي بشأن الخطة الرئيسية لجمهورية العراق حول حماية البيئة البحرية والجاهزية الحالات الطوارئ، وذلك خلال الفترة من الأول إلى الثالث من بولية ۲۰۰۷م. وقد استهدف الاجتماع التعرف على الوضع البيئي الحالي في جمهورية العراق، من حيث الجاهزية للتعامل حالات الطوارئ الناجمة عن البقع النفطية، ومدى الحاجة إلى دعم خارجي والإعداد لخطة عمل بخصوص حالات الطوارئ المتعلقة بالتلوث البحري بالنفط كما استهدف الاجتماع الإعداد والترتيب لاجتماع آخر لجمهورية العراق مع الدول المجاورة حول هذا الموضوع.
وقد حضر الاجتماع ممثلو كل من جمهورية العراق ودولة الكويت (كمراقب)، بالإضافة إلى معالي الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي الأمين التنفيذي للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، والكابتن عبد المنعم محمد الجناحي مدير مركز المساعدة التبادلة للطوارئ البحرية (ميماك)، إلى جانب ممثلي إدارة خفر السواحل الأمريكية وفريق الاستجابة في حالة الأزمات التابع للقيادة المركزية للبحرية الأمريكية.
وقد ناقش المجتمعون عددا من الموضوعات التي لدرجت في جدول الأعمال، والتي تضمنت التعريف بالعناصر الرئيسية الخطة الطوارئ في حالات حوادث البقع النفطية، ومهام ومسئوليات أعضاء فرق الاستجابة لحالات البقع النفطية والحوادث التي وقعت في الجزء الشمالي من المنطقة البحرية للمنظمة، ونظام مراقبة حالة الموانئ بالمنطقة، ومتطلبات المنطقة الخاصة، والموقف الحالي من التصديق على الاتفاقيات والبروتوكولات الإقليمية والدولية واحتياجات جمهورية العراق من البرامج التدريبية المركز المساعدة المتبادلة للطوارئ البحرية ومن معدات مكافحة البقع النفطية، والنظم الموجودة حاليا لدى العراق المكافحة التلوث البحري بالنفط.
وفي نهاية الاجتماع أقر المجتمعون التوصيات التالية:
- ترشيح مسئول من قبل جمهورية العراق عن التنسيق في حالات التلوث بالبقع النفطية والمواد الضارة الأخرى.
- أن تقوم وزارات البيئة والنقل والصناعات النفطية في جمهورية العراق بترشيح المسئولين عن الاستجابة في حالات التلوث البحري بالبقع النفطية.
- إنشاء مركز للاستجابة لحوادث التلوث البحري بالبقع النقطية ومكافحة تسرب المواد الضارة الأخرى في جمهورية العراق.
- تحديد أسماء فريق الكافحة قبل الترشيح النهائي للمسئولين عن الاستجابة لحوادث البقع النفطية.
- دراسة مدى مناسبة وكفاية العدات المقترحة لمكافحة البقع النقطية.
- دراسة إمكانيات توفير التمويل اللازم لشراء معدات المكافحة المطلوبة.
- تحديد المعدات الخاصة بكل منطقة على حدة، مثل ام قصر، وخور الزبير، وميناء البصرة …. إلخ.
- تحديد عناصر شبكة الاتصالات في حالات الطوارئ البحرية.
- تحديد أولويات البرنامج التدريبي لبدء الدورات التدريبية اللازمة بمجرد وصول معدات المكافحة وجاهزية المرافق.
- إبلاغ مركز المساعدة المتبادلة للطوارئ البحرية (ميماك) فورا عند حدوث أي بقعة نفطية، وطلب الاستشارة والنصح منه.
- أن يقوم مركز المساعدة المتبادلة للطوارئ البحرية (ميماك) بترشيح استشاري كلما كان ذلك ضروريا المساعدة جمهورية العراق على إعداد خطة الطوارئ الوطنية وخطة العمل في حالات الطوارئ.
- دراسة العناصر الرئيسية لخطة الطوارئ الوطنية القياسية حتى يمكن متابعة وتنفيذ هذه العناصر.
- أن يقوم مركز المساعدة المتبادلة للطوارئ البحرية (ميماك) بالمساعدة في ترشيح جهة تفتيش مستقلة لإجراء مسح للسفن قبل وصولها إلى الموانئ العراقية لتجنب دخول السفن غير المطابقة للمواصفات.
- أن يتم تزويد مركز المساعدة المتبادلة للطوارئ البحرية (ميماك) بتقارير دورية عن الموقف من تنفيذ التوصيات المذكورة أعلاه، حتى يمكنه اتخاذ ما يلزم.
إعادة تأهيل الأهوار العراقية
منذ ان قام النظام العراقي البائد بتجفيف الأهوار العراقية، وهذه القضية تشغل أذهان البيئيين محليا وإقليميا وعالميا، فما هي قصة هذه الأهوار؟ وما أهميتها البيئية؟ وما هو تأثير تجفيفها على النظم البيئية؟ وما مدى التقدم الذي حدث في معالجة مشكلتها؟
هذا ما سوف نحاول الإجابة عنه في هذه الدراسة.
ما هي الأهوار؟
الأهوار جمع هور وهي عبارة عن مستنقعات marshlands او اراض رطبة مغمورة بالماء.
وتوجد الأهوار العراقية في جنوب العراق، عند نقطة التقاء نهري دجلة والفرات حيث يتكون من اندماجهما معا شط العرب وتشكل الأهوار منخفضات السهل الرسوبي العراقي، الذي يمتد على مساحة من الأرض في جنوب العراق تختلف في مظاهرها الجيومورفولوجية تبعا لطبيعة سطح الأرض وجغرافيتها. وتنتج بعض هذه الأهوار من تراكم مياه الأمطار أو انسيابات الماء من روافد نهري دجلة والفرات في حين ينتج بعضها الآخر من انسياب المياه الجوفية، التي تجد منفذا لها في التربة الرخوة الموجودة بهذه المنطقة، والتي تشكل مسطحها المائي.
وقبل أن يقوم صدام حسين بمشروعه الضخم لتجفيف هذه الأهوار، كان خبراء البيئة يعدون تلك الأهوار من أكبر البحيرات الطبيعية مساحة في منطقة الشرق الأوسط، إذ كانت تمتد فوق منطقة تبلغ مساحتها الأصلية نحو ۱۵۰۰۰ – ۲۰۰۰۰ كيلومتر مربع. وتمثل مدن البصرة، والناصرية والعمارة اركان مثلث الأهوار الذي تقع هذه المدن على رؤوسه. وحينما تمت الإطاحة بديكتاتور العراق، كانت مساحة الأهوار قد وصلت إلى ۱۰۰۰ كيلومتر مربع فقط، أي أن مساحتها تقلصت بنسبة ٩٥ تقريبا، بما يعادل نصف مليون هكتار تقريبا.
فينيسيا الشرق:
الأهوار ليست مجرد مياه وأراض رطبة، بل هي منطقة ذات تاريخ عريق وحضارة وعمران أيضا. فقد احتضنت المنطقة حضارة يعود تاريخها إلى 5 آلاف سنة هي حضارة المعنان الذين يسمون بـ “عرب الأهوار”.
والذين ينحدرون من السلالتين السامرية والبابلية، وهي اول حضارة عرفها الإنسان على حد تقدير لفيف من العلماء. ومع مرور الأعوام والقرون، تكيف سكان الأهوار مع بيئتهم، وروضوها بما يتناسب ويتوافق مع أسلوب حياتهم، وكانت منطقة الأهوار تفيض بخير وفير عليهم يفي باحتياجاتهم. وفي هذا الصدد، فإن سكان الأهوار كانوا يستخدمون قصب المنطقة الشهير لبناء بيوتهم الطافية على المجاري المائية واليابسة، والتي لا تغرق مع الفيضان، بل تطفو فوق مائه لتهبط مرة ثانية بعد زواله وتبنى هذه البيوت من القصب بالكامل دون استعمال المسامير أو البراغي، وهي تربط بحبال من البردي. ويصنع الأثاث الذي يستخدمه السكان من الطين والقصب. وقد عاش المعدان على صيد الأسماك وجاموس البحر والحيوانات. كما كانوا يعيشون على الزراعة وصناعة المشغولات اليدوية. وكانوا يتنقلون في الممرات المائية التي تحيط بهم باستخدام زوارق خاصة لا يوجد مثيل لها في العالم تدعى المشاحيف، وهي زوارق طويلة مدينة الأطراف مغزلية ورقيقة الجدران، مصنوعة من قصب البردي ولهذا أطلق عليها الرحالة اسم (فينيسيا الشرق) لأوجه الشبه المشتركة بينها وبين مدينة البندقية الإيطالية التي لا يتم التنقل بين جوانبها إلا بالجندول.
ويرى بعض دارسي التوراة أن الأهوار العراقية هي موقع “جنة عدن التي أشير إليها في بعض أسفار التوراة.
لمحة تاريخية:
على الرغم من أن الحياة في منطقة الأهوار صعبة للغاية بل بالغة المشقة، نظرا لارتفاع درجات الحرارة والرطوبة العالية بها، فإنها كانت وما تزال مأهولة بالسكان. وقد شهدت هذه المنطقة قديما قيام عدد من الحضارات البشرية التي يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من ٦٠٠٠ سنة. ولعل أبرز هذه الحضارات هي تلك التي ازدهرت في عصور السومريين والبابليين والأشوريين والكلدانيين.
ومنذ خمسة آلاف سنة قام السومريون باستصلاح أراضي الأهوار، واهتموا ببناء السدود، وأبدعوا في شق قنوات الري بحيث ازدهرت في مناطق الأهوار خمس مدن سومرية كبرى، غير أن سدود السومريين انهارت وأعدم على خرائبها ٤٠ مهندسا وبعد ذلك رممها البابليون ليعيشوا فترة ازدهار زراعي مؤقت.
وتروي الرقم الطينية القديمة قصة بطلتها (سميراميس) ملكة اشور التي واجهت في أثناء حكمها جانبا من المشكلة الدائمة في حوض الرافدين بمنطقة الأهوار، عندما كانت الأنهار تفيض دون سابق إنذار فتلحق دماراً هائلاً بالحياة والبيئة وقد قامت (سميراميس) بتحويل مجرى النهر عن تلك المنطقة. ووجد في مقبرتها كتابة تذكر على لسانها قولها مفتخرة، “إنني استطعت كبح جماح النهر القوي ليجري وفق رغبتي وسقت ماءه لإخصاب الأراضي التي كانت قبل ذلك بورا غير مسكونة”.
وقد حاول كثيرون ممن حكموا العراق تجفيف الأهوار. فقد قام سرجون الأكدي في عام ٧١٠ قبل الميلاد باستخدام العبيد لتحقيق هذه المهمة. وفعل ذلك أيضا الملك البابلي نبوخذ نصر، والملوك الساسانيون، ومعاوية بن ابي سفيان والحجاج بن يوسف الثقفي، وهشام بن عبد الملك وهارون الرشيد، والبويهيون بعد الثورات ضدهم.
وعلى مر التاريخ، كانت منطقة الأهوار مصدرا لقلق وإزعاج الإمبراطوريات التي حكمت بلاد الرافدين. فقد كانت غابات القصب المنتشرة بالمنطقة ملجا للفارين الذين تطاردهم الجيوش منذ عهد الأشوريين وحملات ملكهم ستحاريب الذي قدم من عاصمته نينوى المطاردة الكلدانيين والآراميين والعيلاميين واختفى في الأهوار في هذه الأثناء الملك مارودا كبالادان واصيب في معارك الأهوار الإسكندر المقدوني، ليس بالسهام، بل بالحمى التي سببتها له بيئة الأهوار وأجواؤها الصعبة التي لم يعتد عليها، ومات على إثر إصابته وحين فتح عتبة بن غزوان البصرة ذهل من مناظر الأهوار، واستبدل خيمته بكون من القصب وتعرف العرب على نبات الأرز لأول مرة في الأهوار. وقد اختفى في الأهوار أيضا الخليفة العباسي القادر بالله بعد أن فر من الخليفة الآخر الطائع بالله والتجأ إليها قاضي القضاة أبو علي المحسن التنوخي ومنها بدأت ثورات الزنج والزق والقرامطة.
وكانت أول محاولة لتجفيف الأهوار في العصر الحديث هي تلك المحاولة التي قام بها السير بيرسي ولكوكس إبان فترة الاحتلال الإنجليزي للعراق، فقد أعد تقريرا اقترح فيه حفر منزل في جنوب العراق بهدف سحب المياه المالحة ورميها في المنطقة البحرية. وتلى ذلك المشروع الذي اقترحه المهندس البريطاني فرانك شيغ الذي كان قلقا من السدود التركية، وكان يريد تحويل المياه الجارية إلى الأهوار لتصب في قنوات مائية أخرى.
أنواع الأهوار :
صنف الباحثون الأهوار العراقية إلى ثلاث فئات، وفقا لفترة استدامتها الزمنية، كما يلي:
- أهوار دائمة، أي تظل مياهها متوافرة على مدار العام. وتتسم هذه الفئة يكون نبات القصب هو النبات الأكثر انتشارا بها. وتوجد هذه الأهوار في أسفل منطقة الشطرة على شط نهر الغراف الذي يتفرع من دجلة عند الكوت، ويجري إلى الجنوب الغربي باتجاه الناصرية.
- أهوار موسمية، وهي عبارة عن مستنقعات تمتلئ بالمياه في مواسم معينة الربيع والصيف خلال العام، في حين تجف في مواسم أخرى في (الخريف والشتاء). وتتصف هذه الفئة يكون نبات البردي يغطي أقساما كبيرة منها.
- أهوار وقتية، وهي عبارة عن مسطحات تغمرها المياه في خلال فترة الفيضانات فقط. ولعل أهم ما يميز هذه الفئة من الأهوار هو أن الأحراش تنمو فيها بكثافة بعد أن تجف مياه الفيضانات بهذه الأهوار. وتوجد هذه الأهوار في السهول الممتدة إلى الشمال الشرقي من مدينة (العمارة)، حيث تتدفق مياه الفيضانات من (الطيب ودويريج) عبر السفوح الإيرانية.
وثمة تصنيف آخر للأهوار يستند إلى أماكنها الجغرافية. ووفقا لهذا التقسيم، يمكن تصنيف الأهوار العراقية كما يلي:
- الأهوار الشرقية، وهي التي تقع شرق نهر دجلة في اقصى طرقه الجنوبي.
- الأهوار المركزية، وهي توجد غرب نهر دجلة وشمال نهر الفرات.
- الأهوار الجنوبية، وهي تتمركز في جنوب نهر الفرات وغرب شط العرب
وأبرز هذه الأهوار وأكبرها هما: هور الحمار وهور الصحين.
أهمية الأهوار:
تعد الأهوار العراقية من أقدم الملاذات الطبيعية في العالم، إذ إنها توفر ماوى طبيعياً لعدد كبير من سكان وادي الرافدين. كما أنها – في الوقت نفسه – تمثل أيضا موئلا للعديد من الأنواع الحية التي تستوطنها. وكانت هذه الأهوار واحدة من أكبر مراكز التنوع البيئي حول العالم، إذ كانت زاخرة بالنباتات الغزيرة والطيور المغردة، وتعيش فيها كائنات حية متنوعة مثل الطيور والأسماك والسلاحف والحيوانات البرية من الخنازير والثعالب وابناء أوى والأفاعي والزواحف والمواشي.
وكانت تزرع في منطقة الأهوار محاصيل زراعية مختلفة ونباتات برية، كما كان يرى بها أكثف تجمعات نباتية في العراق. وكان يوجد بها احراج نادرة لا مثيل لها في المحميات العالمية، وأنواع عملاقة من نبات القصب يصل طول بعضها إلى ٢٥ قدما، بالإضافة إلى نبات التيفا المعروف بعشبة البرك.
والأهوار هي الموطن الوحيد لطائر القصب المغرد reed warbler والطائر الثرثار Iraq babbler. وتتصف منطقة الأهوار بهجرة أنواع عديدة من الطيور المهاجرة في الربيع والخريف إليها، مثل طيور الغاق (بجرابها المشهور تحت المنقار) وأنواع الأوز المختلفة مثل الأوز ذي المقدمة البيضاء، والأوز أحمر الصدر، والبجع واللقلق والبلابل والغربان والنسور، وطائر الطيهوج (من رتبة الدجاج). وثمة أنواع عديدة من الأسماك توجد في مياه الأهوار بأعداد كبيرة مثل الحريث المعروف بشوكته، وسمك القط، وغيرهما.
كما تعد منطقة الأهوار واحدة من بين خمس مناطق في العالم تحوي أنواعا من الطائر الخوض wader bird والأهوار هي أيضا بيت الثعلب الماء otters وتعيش بها الخنازير البرية والبقنة طويل الساق، وقط الغابات الهندي، والضباع والنمس التي يمكن رؤيتها في منطقة أنهار الجنوب كما تشتهر المنطقة بالضفادع والسلاحف.
وكانت الأهوار تضم أيضا البندقوط (وهو فار هندي ضخم) وبعض أنواع ثعلب الماء، ولكن هذه الحيوانات انقرضت بالفعل عن آخرها وانقرضت ايضا من المنطقة سبعة أنواع من الأسماك على الأقل. أما طائر الزقة الأفريقية (الطويل العنق)، وأبو منجل فهما تحت خطر الانقراض بين لحظة وأخرى.
وعلى الرغم من حالة التردي التي تعرضت لها تلك الأهوار فإنها ما تزال تضم العديد من أنواع الطيور والأسماك والحيوانات النادرة وغير النادرة فما زالت تضم ما يقرب من ۲۷۸ نوعا من الطيور، نصفها من الطيور البرمائية.
أهمية الأهوار للمنطقة البحرية للمنظمة:
ثمة علاقة وثيقة بين الأهوار العراقية والمنطقة البحرية الشمالية الغربية للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية فهذه الأهوار بمثابة (الكلية) العملاقة لمياه الأنهار العراقية التي تصب في المنطقة البحرية فهي تحجز الرواسب والمواد العالقة بالمياه (بما فيها من مركبات سامة وتحول دون وصولها إلى مياه المنطقة البحرية.
وتعمل المسطحات الطينية في أهوار دجلة والفرات في العراق كموائل حاضنة للنوع M. affinis من الروبيان وعلى الرغم من عدم وجود دليل مباشر على هجرة الروبيان من المياه الداخلية العراقية إلى المنطقة البحرية الشمالية للمنظمة فإنه يعتقد بأن تجمعات الروبيان من النوع M. affinis في المياه الكويتية يتم تعزيزها من خلال ما يأتي إليها من أهوار العراق.
تجفيف الأهوار:
اختلفت الآراء حول التاريخ الفعلي لبدء عمليات تجفيف الأهوار العراقية، وهناك شبه إجماع على أن هذه العمليات قد بدات في جنوب العراق بين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين وهناك من يرد تاريخ البدء في إجراء هذه العمليات إلى بداية عقد السبعينيات من القرن نفسه، في ظل حكم حزب البعث العراقي لبلاد الرافدين. وهناك من يرى أن السدود التركية والسورية – التي بدأ تشييدها من فترة الخمسينيات – كانت هي بداية الخيط الحلول الكارثة، إذ تؤدي السدود إلى نقص حاد، وبشكل ملحوظ في الانسباب الطبيعي للمياه التي تنساب إلى منطقة الأهوار. وقد كانت الحروب التي شهدتها المنطقة سببا مباشراً لتفاقم ازمة تلك الأهوار ففي الحرب العراقية الإيرانية أنشأت القوات العراقية طرق الإمدادات والوحدات العسكرية وهو ما أدى إلى جفاف الثلث الشرقي من مستنقعات تلك الأهوار.
ولكن من المؤكد أن عمليات التجفيف قد سارت بوتيرة سريعة في عقد التسعينيات. فعقب عام ۱۹۹۱، قام النظام العراقي السابق بتشريد وقتل الآلاف من سكان منطقة الأهوار من العدان، حتى وصل عددهم إلى نحو ۲۰۰۰۰ شخص بعدما كان عددهم قبل التسعينيات يقدر بـ ۲۵۰۰۰۰ إلى ۲۰۰۰۰۰ نسمة حسب إحصائيات جمعية حقوق الإنسان الدولية. وفي الوقت نفسه راح هذا النظام يزيد من حجم عملياته التي استهدفت استئصال تلك الأهوار وإلغائها من الخريطة الطوبوغرافية للعراق. وقد تمت عمليات التجفيف عن طريق تحويل مسار الجداول والأنهار التي تغذي تلك الأهوار بالماء، فضلا عن تعريض مياه هذه الأهوار للتجفيف. فقد قام النظام العراقي السابق بحفر القنوات وتشييد السدود ليحول مجرى الأنهار والجداول الأساسية عن منطقة (العمرية) العملاقة، ليقطع – مع سبق إصرار وترصد – مصادر المياه الرئيسية عن المنطقة فيصيبها الجفاف ويضطر أهلها للرحيل. وقد رصدت الأقمار الصناعية جفاف منطقة الأهوار، وأوضحت الصور التي التقطتها كيف تم تحويل مناطق شاسعة منها إلى صحراء جرداء مغطاة بطبقات من الملح، وكيف تقلصت الأهوار إلى ما يسمى بمنطقة الحويزية بجانب الحدود العراقية الإيرانية. ولم يقتصر الأمر على عمليات التجفيف، فقد استخدم النابالم وأنواع مختلفة من المواد الكيميائية التي صنعت خصيصا لتذيب نباتات القصب وتقتلها من الجذور، وكذلك البردي وكل ما ترتفع قامته على الأرض.
وقد جعلت الكارثة البيئية برنامج الأمم المتحدة للبيئة بعدها في تقرير له نشرته جريدة واشنطن بوست في ابريل ۲۰۰۳) اسوا الكوارث البيئية في هذا العصر مثلها مثل كارثة بحر آرال وكارثة تدمير غابات الأمازون الاستوائية.
الآثار البيئية لتجفيف الأهوار
تعرضت أهوار الرافدين الأضرار كبيرة نتيجة عمليات التجفيف الكبيرة لها، وإنشاء السدود في أعلى حوض النهر. كما أن الأنشطة البشرية التي شهدتها احواض انهار دجلة والفرات في العقود الأخيرة، بالإضافة إلى الإنشاءات والأعمال الهندسية والتغييرات التي أحدثها الإنسان والسدود التي اقيمت على الأنهار، كل ذلك كان له تأثيرات كبيرة على الأهوار والنظم البيئية للأهوار (المستنقعات) والمناطق الساحلية والبحرية في الجزء الشمالي الغربي من المنطقة البحرية للمنظمة. وقد ظهرت ملامح هذه التأثيرات على الدورات الهيدرولوجية والبيولوجية نتيجة للتغيرات التي حدثت في معدلات تدفق مياه الأنهار ونوعية المياه التي تنساب إلى البيئة البحرية، والتي عادة ما تحمل معها كميات كبيرة من الجسيمات والمواد المذابة وتصبها في البحر. كما أن تجفيف أهوار الرافدين شكل تهديداً خطيراً للتوازن البيئي في مناطق شاسعة، وأضر بنوعية وجودة مياه شط العرب.
لقد تم تدمير الأهوار الوسطى واهوار الحمار، حيث تم تحویل ۹۷ % و ٩٤% (على التوالي) من أراضيها إلى أراض جرداء ومناطق مغطاة بقشور الملح، في حين بقي أقل من ثلث أهوار الحويزة والعزيم الموجودين في المنطقة الواقعة بين حدود العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتعد اهوار الحويزة أكبر بقعة متبقية من الأراضي الرطبة في مستنقعات الرافدين بالجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العراقية والمنطقة الباقية معرضة أيضاً الخطر كبير بجفافها نتيجة للأعمال التي تجرى في أعلى النهر، بما في ذلك سد (كرخة) Karkheh الذي تم تدشينه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والخطط الخاصة بنقل الماء إلى الكويت، وسد (البزو) Ilisu المزمع بناؤه في تركيا.
وقد أسهم بناء السدود واستنزاف مياه نهري دجلة والفرات في تخريب الأنظمة البيئية وتدميرها بشكل كبير، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالحياة البرية والأنواع المستوطنة من الثدييات والطيور والأسماك. وأدى تجفيف الأهوار إلى القضاء على نحو ٤٠ نوعاً من المنطقة من طيور الشتاء المهاجرة. وقد تأثرت بشكل كبير أيضاً أنواع الأسماك التي تعيش في الجزء الشمالي من المنطقة البحرية للمنظمة التي تعتمد على بيئات الأهوار في وضع بيضها وتفريخه ونمو صغارها هناك ثم هجرتها. وقد أدى نقص تدفق المياه العذبة عبر مصب شط العرب إلى دخول مياه البحر إلى شط العرب وإحداث اضطراب في نظامه البيئي العقد.
وكان لتجفيف الأهوار العراقية آثار سلبية على المصائد السمكية وبيئة (إيكولوجية) المنطقة البحرية الشمالية. فقد أدى ذلك التجفيف إلى حرمان المنطقة من “كليتها” العملاقة التي كانت تعمل كاحد المرافق الضخمة لمعالجة النفايات بطريقة مستدامة ذاتياً. وكانت ثمة مخاوف قد أبداها العديد من الباحثين حول احتمالات انخفاض أعداد الروبيان من النوع M. affinis في المياه الكويتية بعد تدمير عشرات الآلاف من الهكتارات من بيئات الأهوار الواقعة (بعد البصرة). فقد أشارت دراسات علمية إلى أن تجفيف الأهوار يؤثر سلبا في مناطق حضانة وتفريخ الروبيان والأنواع المهاجرة من الأسماك في منطقة دلتا شط العرب وجون الكويت، كما يلحق بها الضرر. وبسبب تجفيف الأهوار فإن القنوات المائية العراقية راحت تفرغ مياه النهر مباشرة في المنطقة البحرية للمنظمة، بكل ما تحمله هذه القنوات معها من حمولتها من الرواسب والمواد الزراعية ومياه المجاري والمياه الصناعية العادمة.
وقد تسبب إنشاء السدود في تقليص معدلات تدفق المياه عبر شط العرب بشكل كبير إلى الحد الذي سمح بإجراء تصريف وسحب كبير لمياه منطقة الأهوار في العراق في السنوات الأخيرة وأدى إزالة إلغاء الدور “الترشيحي” filtering role للأهوار العراقية وإنشاء قناة جديدة لسحب مياه النهر إلى خور الزبير (في منطقة الحدود العراقية الكويتية قرب جزيرة وربة) إلى تقليل ملوحة المياه وزيادة كمية مدخلات المواد المغذية بالمياه وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه الصرف الزراعي في منطقة الأراضي الرطبة.
ومن الجدير بالملاحظة أن السدود التي شيدت على شط العرب لا تمثل فقط مصدراً للقلق حول الماء للدول التي تمر خلالها الأنهار الرئيسية، ولكن بالإضافة إلى ذلك فإن كميات المياه العذبة ومستويات المواد (العناصر) المغذية التي يحملها نهرا دجلة والفرات سوف تؤثر بشكل كبير في الثروة السمكية في الجزء الشمالي الغربي من المنطقة البحرية للمنظمة. ولهذا فإن نقص حجم مياه النهر التي تنساب إلى المنطقة البحرية سوف يكون له تأثير القليمي كبير يفوق ما كان معتقداً حتى اليوم.
وتوضح صورة تم التقاطها بواسطة محطة استقبال للمنظمة صور القمر الصناعي التابعة MODIS/Terral في ٢ أبريل ۲۰۰۳ أن المناطق الرطبة التي كانت تغطي قبل ذلك مساحة مقدارها ۲۰۰۰۰ كيلومتر مربع في مناطق من الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العراقية قد تقلصت إلى نحو ١٥% من حجمها الأصلي. وتظهر معظم الأهوار الوسطى central marshes في شكل بقع يتراوح لونها بين الأخضر الزيتوني إلى البني المخضر مما يدل على قلة الغطاء النباتي (الذي يبدو باللون الأحمر) في الأراضي الرطبة وحتى الأراضي الجافة والبقع ذات اللون الرمادي الفاتح جداً هي مناطق ذات أرض جرداء خالية من النباتات وهي في واقع الأمر مسطحات ملحية salt flats ويظهر هور الحويزة (الذي يمتد على الحدود الإيرانية – العراقية شرق نهر دجلة مباشرة) وكأنه بقية جميع الأراضي الرطبة الطبيعية التي كانت بالمنطقة، وقد تقلص حجمه بشكل كبير.
ويظهر الماء بلون قاتم، في حين تظهر النباتات باللون الأحمر والنهر الذي ينساب خلال منطقة أهوار الرافدين قد تقلص بنسبة، 20-50%، في حين اختفت فيضانات موسم الربيع التي كانت تمد الأهوار بالماء، وهكذا فإن ما كان بالأمس بحيرات وأهوار فسيحة متداخلة فيما بينها ومتصلة بعضها ببعض، وغنية بنباتاتها، وتعج بالحياة، أصبح صحراء جرداء خالية من أي مظهر من مظاهر الحياة وقيعان انهار بحيرات حافة مغطاة بالملح.
إعادة تأهيل الأهوار:
بعد سقوط النظام العراقي السابق، تداعت المنظمات والهيئات البيئية الإقليمية والدولية (بما فيها المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة) إلى إعادة تأهيل الأهوار العراقية، وإرجاعها إلى وضعها القديم بغمرها بالمياه، وفق خطة زمنية مدروسة، بحيث تستغرق عملية إعادة الإغراق الكاملة عدة سنوات”، وبحيث تتم بحذر وحرص لتجنب اية مشكلات بيئية. وفي هذا الصدد تم تبني برنامج متكامل لإعادة تأهيل الأهوار ويدير البرنامج – بتمويل من اليابان – مشروعات المياه الشرب والصرف الصحي وإدارة المستنقعات في المنطقة، حيث يعيش السكان المحليون حياة متقشفة، ويعانون من الفقر والحرمان، إذ إن أكثر من نصف السكان يعانون من البطالة ومن تفشي الأمية نتيجة النقص الكبير في عدد المدارس بما في ذلك المدارس الابتدائية. وثمة خطط تم تنفيذها في جمهورية العراق الإعداد إستراتيجية وطنية لإعادة تأهيل الأهوار، كما أن المناطق المهمة من هذه الأهوار قد تم غمرها بالماء بالفعل في عام ٢٠٠٣م.
وتوضح صور الأقمار الصناعية التي التقطت الأهوار منطقة الرافدين في مايو ۲۰۰۳م كيف بدأت هذه الأهوار في التعالي فالمناطق التي كانت جافة سابقاً صارت مغمورة بالمياه بعد فتح البوابات التي كانت تتحكم في تدفق مياه النهر، وكسر السدود والحواجز وتصريف المياه التي كانت محجوزة امام السدود في أعلى النهر. كما أسهمت الأمطار الغزيرة التي هطلت على المنطقة في رفع منسوب المياه بالأهوار وفي العقد الماضي حالت السدود وقنوات تحويل مجرى النهر دون تدفق المياه إلى الأهوار، ولكن بعد فتح المنشآت التي كانت تتحكم في تدفق المياه، وبعد كسر الحواجز التي كانت تحول دون السباب المياه، حيث استخدمت حفارات ميكانيكية لكسرها وفتحها في ابريل ومايو ۲۰۰۳، فإن المياه اكتسحت المساحات التي سبق تجفيفها وغمرت بعض المناطق فيها. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية التي التقطت في عام ٢٠٠٤ أن الأهوار عادت لتغطي تقريبا نحو ٤٠ في المائة من مساحتها في شهر أغسطس، وكان الرقم أقرب إلى الخمسين في المائة في فصل الربيع نتيجة امطار الشتاء وذوبان الجليد عند منابع دجلة والفرات.
وتوضح صور الأقمار الصناعية الجديدة حدوث زيادة سريعة في الغطاء المائي والخضري في عامي ٢٠٠٥، و ٢٠٠٦. كما أنها توضح معدلا “غير عادي” للتعافي في الأهوار الجنوبية، إذ عادت مساحتها إلى نحو ٣٥٠٠ كيلومتر مربع بعد أن كانت قد تراجعت إلى ٧٦٠ كيلومتر مربع فقط في عام ٢٠٠٣.
ويتطلب الأمر إجراء تحليلات ميدانية مفصلة النوعية التربة والمياه لتحديد الحالة التي وصل إليها برنامج إعادة تأهيل الأهوار وارجاعها إلى وضعها الطبيعي. ونظراً للمدى الكبير للآثار البيئية الناجمة عن مشكلة تجفيف الأهوار وتحويل مجرى النهر، وتأثير ذلك على الجزء الشمالي الغربي من المنطقة البحرية للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، فإن تقرير حالة البيئة البحرية لعام ۲۰۰۳ الصادر عن المنظمة يوصي بضرورة إعداد برنامج إدارة النهر شط العرب وحوضه بأكمله على أن يكون ذلك بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) والمنظمات الدولية الأخرى ذات العلاقة سواء أكانت تابعة للأمم المتحدة أم غير تابعة لها. وسوف تسهم عملية التأهيل – بصورة جوهرية -في تطبيق البروتوكولات ذات العلاقة الخاصة بالمنظمة والتي تستهدف الحد من التلوث البحري الناجم من مصادر أرضية، ودعم عمليات تنشيط الموارد السمكية والمحافظة على التنوع الحيوي. كما أن الحاجة ماسة إلى دعم دولي، وأن يقوم برنامج الأمم المتحدة للبيئة بتقديم يد المساعدة لتسهيل إجراء حوار إقليمي بين الدول الأعضاء لاتباع برنامج ناجح للتعامل مع هذه الكارثة البيئية.
هل تقع منطقتنا البحرية في نطاق الأعاصير(2)؟
هل لجونو علاقة بالتغيرات المناخية؟
ربط بعض المحللين لما وقع في سلطنة عمان بين الإعصار جونو وبين ما يعرف باسم الاحتباس الحراري وهم يستشهدون على ذلك بأن عنف هذا الإعصار وشدته قد نجما عن التغيرات المناخية التي شهدها كوكبنا الأرضي في السنوات الأخيرة.
وفي الحقيقة فإن هذا الربط غير منطقي لأن ظاهرة الاحتباس الحراري غير مؤكدة علميا حتى الآن برغم التهويل الكبير لها من قبل البيئيين ووسائل الإعلام كما أن الارتفاع الذي حدث في متوسط درجة حرارة الأرض لا يرتبط بالملوثات البيئية بقدر ارتباطه بما يتلقاه كوكب الأرض من الإشعاع الشمسي وقد كانت الشمس في السنوات الأخيرة في أوج نشاطها، مما أدى إلى تلقي الأرض جرعات أعلى من الإشعاع وتمر الشمس بفترات مختلفة من زيادة النشاط في هالتها وفقا الدورة خاصة تعرف باسم دورة (ميلانكوفيتش).
ومن الجدير بالذكر أن الإعصار المداري )الذي سمي في هذه المرة باسم جونو( يضرب بحر العرب كل ثلاث سنوات. وقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يصل هذه المرة إلى سواحل السلطنة. أما كونه قويا فإن عدة عوامل تقف وراء ذلك. وبوجه عام لا يوجد إعصاران متشابهان فلكل إعصار ظروفه وملابسات تكوينه وخط سيره ويصعب الحكم بأن أحد العوامل الطبيعية هو السبب الجوهري في زيادة عنف الإعصار.
ثم إن الأعاصير الحلزونية المدمرة أمر شائع الحدوث بين الحين والآخر، وكانت تقع في أزمنة سبقت ظهور نظرية الاحتباس الحراري
النينو والنينا: هل هما السبب؟
رأينا فيما سبق أن ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في البحار والمحيطات الموجودة بالمناطق المدارية هي العامل الرئيسي الممهد لتكوين الأعاصير الحلزونية.
ويربط علماء الأرصاد الجوية بين الدورات المناخية التي تمر بها الأرض وبين تكوين الأعاصير. وثمة ظاهرتان من ظواهر المناخ تتصلان اتصالا مباشرا بهذه الدورات ويعزى إليهما في الوقت نفسه حدوث (الدفء البحري) لمياه المحيطات ونشأة الأعاصير وهاتان الظاهرتان هما النينو El-Nino والنينا La Ninaوالظاهرة الأولى (أي: النينو) تدفى مياه المحيط الهادي، أما الثانية (أي: النينا) فهي تبرده.
وتجتاح ظاهرة النينو البحار والمحيطات في نصف الأرض الجنوبي بطريقة دورية، وعلي فترات متتابعة، تبلغ مدة كل منها ثمانية عشر شهرا وخلال هذه الفترات تهيمن هذه الظاهرة علي المحيطين الهادي والهندي، فتبدأ بتسخين الطبقة العليا من مياه هذين المحيطين، وبخاصة في الجهة الغربية لشواطئ أمريكا الجنوبية ونتيجة لذلك، فإن الجفاف يسود في بعض المناطق هناك، وتتكون دوامات هوائية واعاصير مدمرة في مناطق أخرى مثل حوض الأمازون، واستراليا، والجزر الإندونيسية والماليزية وغيرها. ومما يساعد على ذلك هبوب ريحين متضادين ربح شرقية ضعيفة، وأخرى غربية قوية.
اما ظاهرة (النينا) فإنها تحدث أثرا معاكسا للنينو إذ يتكون فيها نطاق من الهواء الساكن بين حزامين من كتل الهواء النشطة، مما يساعد على تشكل الأعاصير الحلزونية التي تكون مصحوبة بالعواصف الرعدية الممطرة.
هل لجونو علاقة بالعواصف الاستوائية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي نعم فالأعاصير الحلزونية بوجه عام وليس جونو إلا واحدا منها ترتبط ارتباطا وثيقا بالعواصف الاستوائية. وفي حقيقة الأمر فإن الإعصار الحلزوني ما هو إلا عاصفة ضخمة تنشأ في المناطق المدارية، وتدور حول مركز من الضغط الجوي المنخفض جدا يسمى بعين الإعصار، وتتحرك رياحها بسرعات لا تقل عن ۱۱۹ كيلومترا في الساعة.
ووفقا لمركز الأعاصير الوطني بالولايات المتحدة فإنه يطلق على الأعاصير الحلزونية الاستوائية التي يكون اقصى حد لرياحها السطحية أقل من 19 متراً في الثانية اسم المنخفضات الاستوائية. وعند وصول سرعة هذه الرياح إلى أقل من ٣٣ متراً في الثانية فإنه يطلق عليها اسم العواصف الاستوائية. وفي حالة وصول سرعة تلك الرياحإلى ٣٣ مترأ فأكثر في الثانية يطلق عليها اسم: الإعصار الحلزوني.
ونشأة العواصف الاستوائية في المحيط الهندي وفي منطقة بحر العرب أمر معتاد في الفترة من مايو إلى نوفمبر من كل عام.
أعاصير بحر العرب:
ان تكون الأعاصير الحلزونية في بحر العرب الذي تطل عليه سلطنة عمان ليس بالأمر الغريب. ومع ذلك، فإن وصول هذه الأعاصير احيانا إلى سواحل السلطنة وجنوب شبه الجزيرة العربية يعد أمراً نادراً وإن كان وقوعه غير مستحيل، إذ ينجح إعصار واحد منها في الوصول إلى سواحل الجزيرة العربية الجنوبية مرة كل عدة سنوات بين ٧ و ١٠ سنوات. وتتكون أعاصير بحر العرب في شكل منخفض جوي بالقرب من الساحل الغربي لشبه الجزيرة الهندية، ثم تتحرك باتجاه الشمال الشمال الغربي.
والموسم الرئيسي لتكوين هذه الأعاصير في وسط بحر العرب هو الفترة ذاتها التي تتكون خلالها العواصف الاستوائية أي من منتصف مايو إلى نهاية نوفمبر من كل عام، وإن كان ذلك لا يحول دون حدوثها في أي شهر آخر من شهور السنة، ذلك أن تصريف الرياح آية من آيات الله ويتفاوت معدل الأعاصير الحلزونية في بحر العرب من شهر إلى آخر، غير أن أكثرها لا يصل إلى اليابسة إلا مرة كل عدة سنوات. ففي يونيو يصل معدل تكوينها إلى ٢٥ إعصارا، وفي شهر اكتوبر يتكون في البحر نفسه نحو ۲۲ إعصاراً. وفي شهر نوفمبر يتكون فيه ١٨ إعصاراً تقريبا. وفي شهر مايو يتكون زهاء 11 إعصاراً. وفي شهر يوليو يتكون فيه نحو سبعة أعاصير. اما في أشهر يناير وابريل وسبتمبر وديسمبر فتتكون اربعة اعاصير تقريبا في كل شهر منها. وفي موسم الأعاصير تتأثر منطقة بحر العرب بمنخفض الهند الموسمي، حيث تولد الأعاصير هناك. وينطلق المنخفض الهندي عبر مسافات واسعة حاملا في طياته الغبار والأتربة محاولا تخطي الهضبة الإيرانية، ولا تتسم رباح المنخفض بسرعة الأعاصير إذ لا تزيد سرعتها على ٤٧ ميلا في الساعة.
وخلال المائة وخمس عشرة سنة الماضية تأثر بحر العرب بعدد من الأعاصير من بينها ١٨ إعصاراً قوياً. كان أبرزها الإعصار الذي اجتاح جزيرة مصيرة في سلطنة عمان مرتين في يونيو من عام ۱۹۷۷، وقد عاشت الجزيرة وقتذاك في حالة من الرعب والخوف، حيث وقعت خسائر في الأرواح، وذمرت منازل المواطنين هناك تدميراً كاملاً، كما شهد عاما ١٩٩٦ و ٢٠٠٣ إعصارين آخرين، لكن أيا منهما لم يخلف وراءه من الدمار ما خلفه جونو.
صفحات من التاريخ القديم
عرف سكان المنطقة الأعاصير قديما، إذ كانت تشكل خطرا على ملاحتهم في بحر العرب والمحيط الهندي أو بحر الحبش كما كانوا يسمونه). وكانوا يجتنبون اخطار الإبحار في فترة هبوب الرياح الموسمية لما تجلبه معها من الأمطار والزوابع العاتية. وكانت هناك أعاصير متتالية تتبع اتجاه الرياح الموسمية. وكان إبحار السفن في مياه بحر العرب وما جاورها – سواء صوب الشمال أو الجنوب يعتمد على اتجاه هذه الرياحالموسمية. وتشير كتب الرحلات والعجائب إلى العراقيل التي كان البحارة يصادفونها حول جزيرة سيلان (سريلانكا حاليا)، والمتمثلة في تقلب الطقس وهبوب الأعاصير الحلزونية بسرعتها الهائلة. فقد جاء في كتاب خريدة العجائب وفريدة الغرائب السراج الدين أبي حفص عمر بن الوردي (٦۸۹ ٧٤٩هـ) وصف دقيق للإعصار القمعي. ففي سياق حديثه عن جزيرة السحاب قال إنها “جزيرة كبيرة، وسميت بهذا الاسم لأنه يطلع عليها سحاب أبيض ويعلو على المراكب في البحر ويخرج منه لسان طويل دقيق مع ربح عاصف، حتى يلتصق ذلك اللسان بالبحر في غلي البحر كالقدر الفائر ويضطرب كالزوبعة الهائلة، فإذا أدرك المراكب ابتلعها”.
وكان الجغرافيون القدماء يسمون الإعصار القمعي (التنين). وفي (مروج الذهب ومعادن الجوهر) تحدث (المسعودي) عن عجائب بحر الخرز فقال ” ومنها التنين. ذكروا أنه يرتفع من هذا البحر تنين عظيم يشبه السحاب الأسود وينظر إليه الناس وزعموا أنها دابة عظيمة في البحر تؤذي دوابه فيبعث الله عليها سحاباً من سحب قدرته فيحملها ويخرجها من البحر. وهي صفة حية سوداء لا يمر ذنبها على شيء من الأبنية العظام إلا سحقته وهدمته ولا من الأشجار إلا هدتها. وربما تنفست فاحترقت الأشجار والنبات.
ويقول المسعودي أيضا وليس تعرف التنانين في البحر الحبشي (أي المحيط الهندي)، ولا في شيء من خلجانه من حيث وصفنا في نهاياته، وأكثرها يظهر مما يلي بحر أوقيانوس أي المحيط الأطلنطي). وقد اختلف الناس في التنين، فمنهم من رأى أنه ربح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى النسيم، وهو الخلو فتحلق السحب كالزوبعة، فإذا ثارت من الأرض واستدارت وأثارت معها الغبار ثم استطالت في الهواء ذاهبة الصعداء توهم الناس انها حيات سود قد ظهرت من البحر السواد السحاب وذهاب الضوء وترادف الرياح ومنهم من راى انها دواب تتكون في قعر البحر العظيم، فتعظم وتؤذي دواب البحر فيبعث الله عليها السحاب والملائكة فيخرجونها من بينها، وأنها على صورة الحية السوداء لها بريق وبصيص لا تمر بمدينة إلا أنت على ما لا يقدر عليه من بناء عظيم أو شجر أو جبل، وربما تتنفس فتحرق الشجرة الكبيرة”. وقال المسعودي أيضا “وهذا البحر الذي هو بحر الأعاجم كثير التنانين، وكذلك بحر الروم، فالتنانين فيهما كثيرة، وكثيراً ما تكون مما يلي بلاد طرابلس واللاذقية والجبل الأفرع من أعمال انطاكية”.
إعصار الطبعة
من أبرز الأعاصير التي وقعت في المنطقة في العصر الحديث ما سمي بحوادث أعاصير الطبعة. وقد وقعت حادثة الطبعة الأولى في عام ٩١ واقتصرت على السواحل الكويتية. أما الطبعة الثانية فقد حدثت في عام ۱۹۲۵. وقد قضى إعصارا الطبعتين الأولى والثانية على عدد كبير من البحارة والغواصين الذين كانوا موجودين في البحر حينها، وترك الإعصاران جراحات عميقة في نفوس السكان بالبحرين والكويت، لكنهما كانا من الأعاصير القمعية الصغيرة، ولم يكونا من الأعاصير الحلزونية التي بحجم (جونو).
وقد يكون من اللطيف أن ننقل هنا نص ما كتبه الطبيب الحكومي الوحيد بالبحرين في ذلك الوقت، فقد كتب في تقريره عن الحادث في العام ١٩٣٥ وفي شهر سبتمبر قدرت وفيات الغرقى بخمسة آلاف شخص في ذلك المساء هب إعصار قوي فقد كانت السفن الكبيرة تدور حول نفسها ثم تصطدم بالسفن الأخرى، ثم تنقلب على وجهها بما فيها من رجال ومعدات وضاعف تلبد السماء بالغيوم السوداء من صعوبة التعرف على الجهات.
وقد حاول الرجال السباحة، ولكن بسبب الظلام الكثيف والرياح الشديدة اصطدمت رؤوسهم باخشاب السفن المتناثرة، كانوا ينزفون ومما زاد الأمر خطورة أن السفن كانت تتحرك بشكل دائري، مما ساعد على تفتيت وتمزيق الأجساد وبعد نصف ساعة هدات الأمور، وهدأ الأنين، واختفت الصرخات، ولم يعد هناك من يحاول النجاة أو حتى يتألم وحتى الجثث تناثرت وتباعدت بفعل الإعصار”.
وتحدث راشد بن جمعة أحد الغواصين عن تجربته مع إعصار الطبعة الثانية فقال نجوت من الغرق ولكنني حتى الساعة التي انا فيها الآن لا أعرف كيف نجوت قفزت إلى البحر وشعرت بيد رجل تقبض على قدمي، كنت اسبح عارياً على غير هدى، لم أفكر إلا في أنني أسبح فقط. اصطدمت بقطعة خشب شجت راسي وشعرت بلزوجة الدم على جبهتي.
زحفت يد الرجل الممسكة بي إلى ساقي. كنت أستطيع تحريك قدمي بشدة لاتخلص منه فكل بحار يجيد السباحة ولكنني تراجعت في الأخير.
وفجأة لمع البرق. شاهدت في البعيد سفينة راسية فتوجهت إليها أحسست بعدم استطاعتي السباحة. اصطدم صدري بلوح سفينة ولحسن الحظ كان صاري سفينة، فالقيت بنفسي عليه شعرت براس الرجل بين قدمي. وكانت يداه ما تزالان ممسكتين بساقي جدفت بيدي وانا على ظهر اللوح. كانت الرياح قد هدات قليلاً. وبالقرب من السفينة فقدت الوعي.
عندما فتحت عيني كان هناك رجل ممدد امامي قال لي: انا صاحبك ولقد انقذتني.
حاولت أن أجيبه فلم أستطع.
بعد ذلك عرفت ان صاحب السفينة هو (ابن نايم) وأن السفينة كانت لتزويد سفن الغوص بالماء وبعض الزاد، وأن هناك (فشتا) رست بجانبه، وبما أنهم ربطوا السفينة بصخور الفشت فقد كتب لبحارتها النجاة، ولن كان هناك بعض الجرحى ومن سقط من الدوار.
في الصباح كان البحر مغطى بالجثث، وقد تم دفن الجنث في الجزر التي وجدوها في البحر، وكانت كل الجثث عارية وممزقة. وقد دفن الموتى كما هم عراة صلينا عليهم ثم دفناهم. فلم يكن لدينا سدر ولا ماء ولا أكفان، “ويرحم الله الجميع”.
وقد ضرب إعصار الطبعة الثانية جزيرة البحرين بأكملها. وكانت الناس تصطاف في عراد وحيث توجد الشواطئ اقتلع الإعصار العرشان وكذلك النخيل والأشجار من جذوعها وارتفعت مياه خليج عراد لتغطي أرض عراد من جميع جهاتها. وتقول إحدى الناجيات من ذلك الإعصار “كنا في يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم. وفجأة هب العافور (أي: الإعصار). بدت السماء حمراء كالدم. تهاوت العرشان، وكنت أسمع صراخ الناس في الخارج. أخرجت الأطفال من العريش المتهاوي وإذا بشجرة اللوز الكبيرة امامي بجذورها، دفعت الأطفال إليها، وحشرنا أنفسنا في فجواتها وتمسكنا بجذوعها، حتى لا تجرفنا الرياح. أتذكر أني وضعت ناصر – وكان في الثانية من عمره – في حضني وانحنيت عليه.
وقد أطلق أهالي البحرين على ذلك الإعصار اسم (الدالوب) لحركته الدائرية وأسماه بعضهم (العافور) لأنه عفر – كما يقولون – بكل شيء. وفي الصباح كانت جنت الأبقار والخراف والماعز طافية على مياه خليج عراد. فقد أهلك العافور الزرع والضرع قضى على كل شيء، وانهى كل شيء، ولكن التفكير لم يكن منصبا وقتذاك على ما حدث على أرض هذه الجزيرة، ولكن كان جل تفكيرنا في أولئك الرجال الذين واجهوا الإعصار في البحر. ولدى شروق الشمس وعلى ساحل (المحرق) الغربي خرجت النساء والرجال وكان الجميع في انتظار اللاشيء. فقد غرق معظم الرجال والذين قدرت لهم النجاة عادوا بأطراف محطمة ونفسيات اشد تحطيما.
لم تجف الدموع بعد مازالت اطياف الراحلين الذين افترسهم وحش الوباء متجذرة في قلوبهم وذكرياتهم. فالأحزان لا ترحل مع الراحلين، ولكن لا مجال للتهرب من مجابهة الحياة”.
قياس قوة الأعاصير
منذ سبعينيات القرن العشرين بدأ المركز المتحدة الوطني لخدمات الطقس بالولايات الأمريكية في قياس قوة الأعاصير الحلزونية، باعتماد مقياس خاص يعرف باسم مقياس سفير – سمسون Saffir-Simpson Scale
ويعتمد هذا المقياس على عاملين رئيسيين هما: سرعة الرياح، ونوع الدمار الناتج من الإعصار. ويوضح الجدول رقم (1) هذا المقياس.
جدول رقم (1) مقياس “سفير – سمسون”
| تصنيف مقياس سفير – سمسون | معدل تكلفة الدمار الناتج بالمليون دولار | سرعة الرياح مقاسة بالكيلومتر / ساعة | نوع الدمار الناتج |
| 1 | 24 | 118-154 | اضرار بالأشجار والمنازل المحمولة على عربات، وغرق الطرق الساحلية |
| 2 | 220 | 155-177 | اضرار بالأشجار والسيارات وقطع الطرق الساحلية |
| 3 | 1000 | 178-209 | اقتلاع الأشجار، وأضرار بالمباني الصغيرة. يجب إخلاء المناطق المعرضة للإعصار |
| 4 | 2200 | 210-248 | اضرار بالغة بالأشجار والمباني إخلاء المنطقة المعرضة للإعصار أساسي |
| 5 | 6000 | 249 فأكثر | دمار شامل للأشجار والباني. يجب إجراء إخلاء تام للمنطقة المعرضة للإعصار |
اما بالنسبة لقياس قوة الأعاصير القمعية فإنه يستخدم مقياس يعرف باسم مقياس فوجيتا -بيرسون Fujita Pearson Scale، وهو يقيس الدمار الناتج عن الرياح وينقسم إلى خمس درجات، كما هو موضح في الجدول رقم (۲)
جدول رقم (۲)
مقياس فوجيتا – بيرسون
| تصنيف مقياس فوجيتا – بيرسون | سرعة الرياح مقاسة بالميل / ساعة | نوع الدمار الناتج |
| صفر | حتى ٧٢ | أضرار خفيفة |
| 1 | ۱۱۲ – ۷۳ | أضرار متوسطة |
| 2 | ۱۵۷ – ۱۱۳ | أضرار كبيرة |
| 3 | 158-206 | أضرار شديدة |
| 4 | 207-260 | اضرار بالغة الشدة |
| 5 | ٢٦١ فأكثر | دمار شامل |
هل يمكن التنبؤ بالأعاصير الحلزونية؟
في كل عام يشهد العالم عدداً من الأعاصير التي تخلف وراءها العديد من الضحايا، وتلحق أضرارا بالغة باقتصاد الدول التي تضربها. وقد دفع هذا بعض البلدان التي تقع في نطاق الأعاصير إلى البحث عن وسائل مناسبة لتفادي الأضرار التي يمكن أن تنجم عن هذه الأعاصير.
وعلى الرغم من التقدم العلمي الكبير في مجال الأرصاد الجوية فإنه لا يمكن معرفة موعد ولادة أي إعصار حلزوني او قمعي حتى الآن. ولكنه بعد تكوينه يمكن رصده عن طريق استخدام الأقمار الصناعية أو طائرات WC-130H التي يتم تجهيزها باحدث اجهزة الأرصاد الجوية، والتي تقوم بالطيران إلى داخل الإعصار الحلزوني نفسه من أجل قياس سرعة الرياح والضغط الجوي داخله، بالإضافة إلى قياس سقوط الأمطار ومن خلال ذلك يمكن التنبؤ بحركة الإعصار بدقة ومتابعة حركته، إلا أن قوة الأعاصير تتغلب في كثير من الأحيان على قوة الإنسان وتذهب باستعدادته وتجهيزاته أدراج الرياح.
التنبؤ بالأعاصير القمعية
ذكرنا من قبل أن الأعاصير القمعية ذات قوة تدميرية هائلة. ولهذا فإنه لا سبيل إلى تجنب الأضرار الناجمة عن هذا النوع من الأعاصير إلا اللجوء إلى مخابئ تحت سطح الأرض قبل هبوبها. وكانت المشكلة التي واجهها العلماء حتى وقت قريب هي كيفية التنبؤ بمواعيد هبوبها غير المنتظر. وقد أسهمت الأقمار الصناعية والحواسيب الإلكترونية في حل هذه المشكلة جزئيا، إذ أمكن بفضل استخدامهما معا التوصل إلى طريقة يمكن بوساطتها أن تتكامل بين ايدي رجال الأرصاد الجوية صورة علمية عن الإعصار المتوقع فيعرفوا مساره المحتمل ومدى قوته في وقت يسبق وصوله إلى أي منطقة مأهولة بالسكان تقف في مهب رياحه، وبذلك تتاح الفرصة لاتخاذ التدابير اللازمة الإخلاء تلك المنطقة وترحيل أهلها إلى أماكن آمنة والاستعداد للاستجابة لحالات الطوارئ وتقديم بد المساعدة والإنقاذ مبكرا، ومن ثم يمكن تقليل حالات الإصابة في الأرواح، والحد من الخسائر المادية نسبيا.
ولعل ما حدث من خراب نتيجة أعاصير عام ١٩٧٤ في بعض الولايات الأمريكية هو الذي حث العلماء على بذل المزيد من الجهد والعمل للوصول إلى حل لهذه المشكلة. ففي الرابع من أبريل ١٩٧٤ كان لدى علماء الأرصاد الجوية في الولايات المتحدة الأمريكية بالمركز الوطني للتنبؤ بالعواصف القوية بمدينة كانساس) كل المعلومات التي أمكن تجميعها واستقاؤها من صور الأقمار الصناعية وأجهزة الرادار، وكانت هذه المعلومات وقتئذ تتضمن مواقع السحب وأنواعها، وخرائط توزيع الضغط الجوي، وكل البيانات المتعلقة بدرجة الحرارة والرطوبة، لكن رجال الأرصاد الجوية يومها لم يكونوا قادرين على رؤية ما هو أهم الصورة ذات الأبعاد الثلاثة التي يمكن أن توضح التفاعلات القائمة بين مختلف مستويات الضغط ودرجة الحرارة ومحتوى الرطوبة moisture content وفي ذلك اليوم مزقت السماء فوق ولايات كنتكي وأوهايو والاباما ١٤٨ عاصفة من عواصف الأعاصير القمعية (التي بلغت سرعاتها ٥۰۰ كيلومتر في الساعة). وقد قال مدير مركز التنبؤ الجوي يومذاك “كان أقرب إلى المستحيل أن نستوعب جميع المعلومات التي حصلنا عليها في ذلك الوقت. فالمعلومات كان بعضها على شكل خرائط وبعضها الآخر في هيئة ارقام، بالإضافة إلى بعض البيانات الأخرى. ودراسة كل هذا الكم الكبير من المعلومات يتطلب نصف ساعة على الأقل، وهو وقت لا يسمح للمركز أن تكون لدية فسحة معقولة من الوقت يراقب فيها العاصفة وينذر السكان في المنطقة التي سينقض عليها الإعصار”. وقد بلغ الضحايا حينذاك ٣٦١ شخصا.
وعقب ذلك قام علماء جامعة (وسكونسن) الأمريكية بماديسون بتطوير طريقة جديدة تعتمد على الاستفادة بصورة مباشرة من المعلومات التي تستقى من الأقمار الصناعية، وذلك بإدخالها فورا إلى جهاز كمبيوتر، ويؤدي ذلك إلى الحصول على خرائط ذات ابعاد ثلاثية للأحوال الجوية في وقت حدوثها تقريبا، وهذا يتيح مهلة من الوقت تصل إلى نحو نصف ساعة يمكن خلالها ببلاغ سكان المناطق التي سيضربها الإعصار، عن طريق التليفزيون أو الإذاعة أو غير ذلك من وسائل الإعلام، حتى تتخذ الإجراءات الوقائية. وقد طبقت هذه الطريقة بنجاح بعد ذلك، ففي ٢ أبريل ۱۹۸۲ هاجم ۸۹ إعصارا قمعيا خمس ولايات أمريكية في الجنوب وفي وسط الغرب وعامذاك، لم يذهب ضحية هذه الأعاصير إلا ثلاثون شخصا فقط، وهو رقم اقل بكثير من عدد ضحايا كارثة ١٩٧٤م، ولا تقتصر فوائد هذه الطريقة على إمكانية التحذير من الأعاصير قبل وصولها، بل يمكنها كذلك أن تقدم صورة شاملة الدرجات الحرارة في أية لحظة بأي مكان بالعالم، على شكل جداول وقوائم أو على شكل خرائط حرارية ملونة.
هل يمكن إيقاف الأعاصير؟
تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في طليعة الدول التي تجتاحها الأعاصير بين الحين والآخر، وقد دفع هذا الأمر أولي الأمر هناك إلى التفكير في طريقة تحول دون هذا الغزو المدمر الذي يأتيها من البحر، فيهلك الحرث والنسل.
وقد بدأت الحكومة الأمريكية في عام ١٩٦٣ بإجراء ابحاث حول إمكانية إيقاف الأعاصير الحلزونية قبل وصولها إلى اليابسة، غير أن هذا المشروع توقف في عام ۱۹۸۳ بعدما لم يفلح الباحثون العاملون فيه في التوصل إلى أية نتائج.
ومع ذلك، فإن هناك بعض الأفكار (التي تجمع بين العبقرية والجنون) والتي يطرحها بعضهم من أجل تطبيقها لدرء خطر الأعاصير، أو إيقافها – على الأقل. بعيدا عن المناطق الساحلية والبرية.
وقد اقترح بعض العلماء الأمريكيين إجراء تجارب الإضعاف الأعاصير، تتلخص في تكوين سحب صناعية ووضعها في طريق الإعصار، غير أن هذه التجارب قد أوقفت خشية أن تؤدي هذه السحب إلى تقوية الإعصار أو تغيير اتجاهه، مما يجعل الإعصار يصيب مناطق لم يتم تحذير سكانها من قبل.
وثمة عالم أمريكي يسمى “هيوولوبي” له القدح المعلى في طرح هذه الأفكار. وهو يعتقد أن الإنسان بإمكانه تقليم أظافر الأعاصير الحلزونية. وتتبدى إحدى أفكاره في إحراق كميات من البترول من على مركب قريب من الإعصار الحلزوني. وهو يرى أن ذلك سوف يسهم في إطلاق كميات كبيرة من السخام الأسود إلى الغلاف الجوي، وسوف يقوم هذا السخام (بسبب اسوداد لونه) بامتصاص حرارة الشمس، ومن ثم يساعد على تكوين تيارات هوائية صاعدة تقوم بتعطيل مسار الإعصار. كما أن “هيوولوبي” هذا طرح تصورا آخر اراد به تحقيق الهدف نفسه وتتلخص فكرته في وضع مرآة ضخمة من ورق القصدير في مكان عال بالسماء على متن قمر صناعي مثلا)، لتقوم هذه المرأة بعكس أشعة الشمس على موضع محدد في المحيط لتسخينه، مما يؤدي إلى تغيير مسار الإعصار.
وثمة أفكار أخرى كثيرة تثار في هذا المضمار، فما أكثر الذين يحكون رؤوسهم بحثا عن فكرة تومض ببارقة أمل في ترويض الأعاصير.
ومن المؤسف (ولعله من الخير أيضا) أن كل ما طرح من أفكار لم يجد حيزاً للتنفيذ حتى الآن، وما زالت الأعاصير تدور، وتدور معها رحى الخسائر.
شر مألوف، وخير غير معروف
من المؤسف أن الأعاصير شرها مألوف وخيرها غير معروف للكثيرين. وهي حين تدور منذرة بالويل والدمار والثبور، فإنها في الوقت نفسه تدور ومعها خير لن نقدره إلا إذا حرمنا منه. فالأعاصير ليست شرا ووبالا فقط، بل فيها فوائد لا يعرفها الكثيرون، إذ إنها ذات أهمية قصوى في حفظ التوازن الحراري heat balance لكوكبنا الأرضي، فهي تنقل الحرارة من المناطق الاستوائية والمدارية الساخنة إلى المناطق القطبية الباردة، كما أنها قد تكون مفيدة للمناطق التي يضربها الجفاف، وذلك حينما تقوم بصب مياه الأمطار والفيضانات فوقها. ولكننا للأسف لا نرى منها غير وجهها القبيح وهديرها المدمر وبطشتها الكبرى.
إنه الفك المفترس .. إنه سمك القرش
هو أكثر مخلوقات الله إفزاعا للناس
وهو واحد من أعظم اللواحم في كوكب الأرض فهو يأكل اللحم هنيئا مريئا وطازجال
والنساء – بوجه خاص – هن طبقه المميز، والوجبة المفضلة عنده.
وهو سباح ماهر، ينطلق كالسهم، ويهاجم كاللبؤة الجريحة، وتثيره رائحة الدم، ولا تعرف الرحمة إلى أسنانه سبيلا.
ويكفي أن يرى أشجع الشجعان زعنفته العلوية فوق سطح الماء من بعيد، حتى تتفكك مفاصله، وتخور قواه ويلقي الله في قلبه الرعب والفزع، فيقول، ليتني مت قبل هذا، وكنت نسيا منسيا.
وقد نقلت لنا كتب التراجم والأخبار قصصا عن ابطال عظام صارعوا الأسود والفهود، وانتصروا عليها. ولكنها لم تنقل لنا مجرد قصة واحدة عن أي شخص زعم أنه التقى بالفك المفترس، وصمد أمامه في ساحة النزال.
أما السينما فقد جعلت من هذا المخلوق وحش الشاشة، ونجم الشباك الأول. واستطاع هذا الفك المفترس أن يحطم الأرقام القياسية في الإيرادات وتصاغرت أمام جماهيريته أسماء كبيرة من أمثال مارلين مونرو، وسلفستر ستالوني، وبروس لي وإزاء هذه النجومية اللامعة علقت صوره في أشهر ميادين العالم، وسعى منتجو فيلم (الفك المفترس) إلى إصدار أجزاء أخرى من الفيلم. وتصدر الكتاب – الذي كان أساس قصة الفيلم – قائمة أكثر الكتب مبيعا، وتدفقت عوائد المبيعات أنهارا على الناشر.
إنه سمك القرش أكل لحوم البشر كما تصفه بعض الموسوعات العلمية ومن الطريف أن ضحاياه من النساء أكثر من الذكور بنسبة ١٩، أي أنه من أعداء المرأة، وفرانكشتين الجنس الناعم، واحد رموز التمييز العنصري القائم على الجنس وفي الواقع فإن سبب هذا الموقف العدائي للقرش من حواء وبناتها لا يعود إلى ثار قديم، أو إلى طراوة لحوم النساء ولكن مرجعه الحقيقي هو الحساسية العالية لخط العصب الجانبي عنده. ويعتقد بعض العلماء أن هذا الخط بمقدوره أن يستشعر أضعف الأصوات وأكثرها انخفاضا حتى لو كان مصدر الصوت بعيدا جدا. ويعد هذا الخط بمثابة نظام مثالي للاستشعار عن بعد. وهو يتكون من نظام حسي لا مثيل له، إذ يضم قنوات تجري على جانبي جسم القرش من رأسه حتى مؤخرة ذيله مملوءة بسائل معين فإذا شرف ماء البحر بجسد غادة حوراء حسناء هيفاء، وراحت هذه الفاتنة تثير الرذاذ من حولها وهي تسبح في المياه البلورية للمحيط أو البحر، فإن خط العصب الجانبي عند (الفك المفترس) ينبئه بأن هناك صيدا ثمينا، ولا يضيع القرش هذه الفرصة الذهبية سدى، فييمم فمه الضخم صوب (اللحم الحلال)، لينال من الجسد الطيب نصيبا اليس لكل مجتهد نصيب؟! ومما يساعد على ضياع الأنثى أن الحركات التي تقوم بها في أثناء السباحة تفوق تلك التي يقوم بها الذكر، وذلك لتكوين جسمها الفريد المملوء بالتضاريس والطوبوغرافيا، ومن ثم فإن الاهتزازات التي تحدثها المرأة بالماء تفوق تلك التي يحدثها الرجل، فتكون تلك الاهتزازات بمثابة الذبذبات التي تنتقل بالمياه لتعلن للقرش عن وجود صيد ثمين في (دائرة الانتقام) فيندفع إليه قائلا:
أنا ابن جلا وذو أقسى الثنايا … بفتح فمي المخيف ستعرفوني!
الافتراس قضما ، لحما وعظما
إن أسماك القرش مغرمة بشن هجماتها القاتلة على المصطافين، وقد تبين أن معظم هذه الهجمات تقع في مياه تبعد عن الشاطئ بأكثر من ستين مترا تقريبا. والسبب في هجوم القرش على المصطافين هو حركتهم الناتجة عن كثرتهم وتجمعهم فهو يستطيع تحديد أماكن الاهتزازات من مسافة تزيد على ٢٠٠ متر.
كما أن حاسة الشم عند القرش حادة جدا، وبخاصة الرائحة الدم، إذ إنه يستطيع أن يشم أي أثر للدم مهما كان ضئيلا. ويقول العلماء إن القرش يمكنه أن يحدد موقع نقطة دم واحدة حتى لو كانت ذائبة في مليون نقطة مماثلة في الحجم من الماء وهذا يعني أن كل مجروح يدفعه سوء حظه إلى الدخول في مملكة القرش العظمى سوف يكون مصيره الافتراس قضما… لحما وعظما وليست الأسماك الجريحة باستثناء فاية سمكة يسيل دمها الطاهر في البحر ستلقى حتفها بين فكيه بإذن الله لا محالة، ولات حين مهرب!
وللقرش عيون ذات حساسية فائقة. فهو قادر على الرؤية بوضوح حتى في الضوء الخافت إنه (ابن ليل) حقيقي، ويقضي معظم حياته في قاع المدينة)، أعني في قاع البحر. غير أن مقدرة القرش على التمييز بين الألوان محدودة وتتصف ببدائيتها. فالنقص من صفات البشر والقروش أيضا. ومع ذلك فإن أهل العلم الذين أوتوا نصيبا من المعرفة بهذه الأسماك يقولون لنا إن القروش لا تستطيع أن ترى كثيرا من التفاصيل بوضوح حينما تكون بعيدة عن الفريسة وتقوم حاسة الشم وخط العصب الجانبي بمهمة الاستكشاف والتنقيب وتحديد الهدف. أما حاسة البصر فلا يعتمد عليها القرش إلا حين يصبح قاب قوسين أو أدنى من طريدته، فعندئذ ينظر إلى الضحية بعينين نجلاوين متسعتين، ماسحا ببصره جسدها كله. وبخبرة (دراكولا) مصاص الدماء يمكنه أن يحدد المنطقة التي تستحق أن يقضمها من هذا الرزق الذي ساقه الله إليه، ثم تكون الطامة الكبرى والبطشة العظمى، حين يشن هجومه المباغت، وذلك لأن القرش إذا ضرب أوجع، وإن قضم قطع، وإذا هاجم أبلى، وإذا أكل أفنى، ومن مات فقد قامت قيامته.
غير مأمون حيا وميتا
للقرش شهية مفتوحة بدرجة لا تصدق وقد اصطادوا بشواطئ استراليا قرشا. وحينما بقروا بطن هذا الشرير، وجدوا نصف خنزير، واثنتي عشرة رجلا من أرجل الغنم، وفخذ امرأة، وأكثر من عشرين سمكة وحبلا كان ملتنا على رقبة تيس، ونفايات من نفايات السفن. اما في إيطاليا فقد اصطادوا من شواطئ البحر الأدرياتيكي بالشمال فكا مفترسا، وحينما أعملوا فيه سكاكينهم ومشارطهم وجدوا في بطنه ثلاثة معاطف نسائية ورابعا للوقاية من المطر (بداخله رخصة قيادة سارية المفعول)، وفردة حذاء قديم، وعددا لا بأس به من الأسماك المختلفة.
وأكثر أنواع القرش دموية هو القرش الأبيض، ثم القرش النمر، ثم القرش (ماكو)، ثم القرش ذو المطرقة. وقد صنف العلماء نحو ۲۵۰ نوعا من أسماك القرش تعيش في المحيطات في كل مكان بالعالم، لكنها أكثر شيوعا في البحار الدافئة والقرش لا يهاجم ابن ادم لأنه يتربص به الدوائر، أو لأن بينهما (ثأرا مبيتا) بل لأن القرش في مرعاه الطبيعي. ومن حقه أن يبحث عن رزقه في جميع أنحاء إمبراطوريته. والإنسان بالنسبة للقرش ليس إلا كتلة من اللحم والشحم والدم والعظم تسبح في حماه، ومن حام حول حمى القرش وقع في فيه أي في فمه.
ولأسماك القرش صف وأحيانا أكثر من صف من الأسنان الحادة القائمة بجوانب الفكين، ولبعضها أسنان باللهاة أيضا. وعند انطباق الفكين على الضحية فإن الحال يكون اشبه بانطباق السماء على الأرض، إذ تتداخل أسنان القرش فتغلق أية بارقة أمل في النجاة. وهذه الأسنان محرشفة وتلتوي إلى الخلف، ولذلك فإنها تقوم بأربع عمليات قاتلة في ان واحد: تمزق اربا، وتقطع عجبا، وتنهش لحما، وتسحق عظما وليس هناك قرش مامون الجانب فردود الأفعال عند انواعه المختلفة مختلفة، ولا يمكن التنبؤ بها ويقول خبير بأحوال القروش عليم اسماك القرش تكون مأمونة الجانب عندما تكون ميئة فقط. ولكن الواقع يثبت أن القرش غير مامون حيا وميتا ومسألة موت القرش لا يستطيع أن يجزم بها أحد. فقد يدخل القرش في غيبوبة، حتى يخيل لمن يراه أنه قد انتقل من دنيانا الزائلة. فإذا قام المرء بحركة عدوانية تجاهه يكون كمن القى بحجر في بحيرة راكدة وقد حدث أن قامت مجموعة من الصيادين باقتناص سمكة قرش وألقوها في قارب الصيد، ثم انشغلوا عنها بصيد غيرها. وجاء أحدهم فنظر إلى السمكة الممددة في باطن القارب، فوجدها ترقد هادئة وادعة بلا حراك فظن أنها قضت نحبها، ولم يفطن لعدم خبرته – انها في غيبوبة، فما كان منه إلا ان رفسها. وعندئذ انتبهت السمكة من غفوتها، وفي سرعة البرق قضمت قدمه.
وثمة حادث آخر أكثر طرافة ولطاقة وعجبا.
فقد قام بعض صيادي بني غازي (في ليبيا) باصطياد مجموعة من القروش، ثم نقلوها إلى شاطئ الشابي في شمال المدينة، وهناك استأصلوا رؤوس تلك الأسماك وأفردوها بعيدا، ثم انشغلوا في تقطيع بقية جثتها وتنظيف ما قطعوه. وفيما هم مندمجون في العمل، قام أحد الصبية – من باب اللهو – بإدخال يده في فم أحد تلك الرؤوس المستأصلة وعندئذ حدث ما لم يكن بالحسبان. فقد قام ذلك الرأس اللعين – الذي قطعوا بقية جسمه إربا – بإطباق فكيه على يد الصبي، ولم يتمكن أحد من تخليص اليد من اسنان فكي ذلك الرأس. وحينما نقلوا الغلام والرأس إلى المستشفى اضطر الأطباء إلى تمزيق رأس القرش بأدوات الجراحة لينقذوا ما يمكن إنقاذه من بقايا يد الصبي المسكين الجاهل.
وهكذا فالقرش خطر حيا وميتا. ولعلنا نذكر ما قاله (هيمنجواي) عنه في روايته العظيمة (العجوز والبحر) “كل ما فيه جميل، ما عدا فكيه وقد جاء في نشرة للمصطافين بشواطئ فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية عدة نصائح للتصرف عند مباغتة القرش لأي مصطاف إذا قضم قرش أحد أطرافك، فحاول الا ترتبك وواصل السباحة إلى الشاطئ قانعا ببقية أطرافك. وقد حدث بالفعل أن التهمت القروش العديد من المصطافين بشواطئ فلوريدا وسواحل استراليا وأماكن أخرى متفرقة بالعالم. ويبلغ عدد ضحايا الفك المفترس نحو مائة ضحية في كل عام، وتأكل معظم القروش فريستها كاملة، أو تقطعها قطعا كبيرة من اللحم. وهي سريعة الحركة والانقضاض بسبب تكوينها، فالذيل قوي والجزء الأعلى منه أطول من الجزء السفلي، وهو يعمل بمثابة محرك الدفع) من خلال الحركة المتواصلة يمينا ويسارا وزعنفة الذيل متينة، وتساعد على حمل الجزء الخلفي للقرش. اما زعنفة الظهر القائمة مقوسة من الأمام إلى الخلف، وهي تمكنه من شق المياه في أثناء السباحة. واما زعانف الصدر فتحافظ على التوازن مع الرأس المفلطح الذي ينتهي بمقدمة أشبه بالقمع المنبسط.
القرش عدو القرش
لأن لكل شيء آفة من جنسه على حد تعبير الشاعر القديم، فإن أعداء القرش من غير الإنسان هم القرش. فأنواعه يأكل بعضها بعضا، بل إن الأبوين قد يأكلان أولادهما جميعا، ولا حرج عندهما في ذلك، أما العدوان اللدودان للقرش فهما الحوت القاتل killer whale وسمكة أبي سيف sword fish والصراع بين هذين العدوين وبين القرش أشبه بصراع العمالقة. والويل كل الويل لمن يخطئ في توجيه طعنة قاصمة أو عضة فاضمة إلى خصمه، فلن يكون هناك مجال لتصحيح الخطأ.
وليست كل أنواع القرش من التي تجتمع على أكل لحوم الناس والحيوانات بالباطل، فبعضها زاهد يعيش على القواقع والأصداف ولكن هذه الطائفة قليلة، ومنها نوع يسميه أهل العلم بالقرش المفلطح squatina. وهو يعيش منعزلا منطويا على نفسه، ويقيم في قاع البحر ويظل في حركة دائبة مستمرة داخل مثواه العميق يطلب الحبار حثيثا والقشريات والشفانين الصغيرة والأسماك المفلطحة.
ثيران وذئاب وكلاب
تختلف اسماك القرش وتتفاوت فيما بينها تفاوتا كبيرا في الحجم والعادات وحتى في الأسماء فهي تضم أكبر المخلوقات على الأرض المعروف باسم قرش الحوت الذي يصل طوله إلى اثني عشر مترا، ويزيد وزنه على أكثر من ١٤ طنا متريا، أي أنه جبل متحرك، إذ يزيد وزنه على ضعف وزن الفيل الأفريقي. ومن لطف الله بنا وبأحياء البحر أنه لا يأكل اللحوم، بل هو حيوان نباتي يتغذى على الهوائم (العوائق) النباتية والطحالب البحرية وثمة أنواع صغيرة الحجم جدا من القرش يصل طول الواحدة منها إلى 13 سنتيمترا فقط، ولا يتعدى وزنه ۲۸ جراما ويطلق الأمريكيون على هذا النوع من القروش اسم penny dog أي الكلب المليم) لأنه صغير الحجم قياسا باحجام الأنواع الأخرى من عمالقة الفك المفترس.
وتعيش بعض انواع القروش في أعماق المحيط، في حين يعيش بعضها في الأعالي قريبا من السطح. ومن سكان الأعالي القروش المستدفئة، وهي تعيش في المياه المدارية وشبه المدارية والمعتدلة ومن رحمة ربك الرحيم بنا وبالأحياء البحرية الحيوانية أن هذه القروش لا تأكل أيضا إلا الهوائم المائية (كالطحالب). ومن عادة القروش المستدفئة أن تسبح ببطء على سطح الماء، حتى أنها تبدو لمن يراها وكأنها ممدة لتأخذ حماما شمسيا (ومن هنا جاءت تسميتها بالقروش المستدفئة)، وهي في الواقع لا تطمع في أن تكتسب بشرتها لونا برونزيا فجسمها غير مغطى بالبشرة، ولكنها – مثل بقية انواع القرش – مغطاة بحراشف دقيقة تشبه الأسنان، ولكنها تتمدد على سطح البحر لكي تصطفي وتصفي الهوائم من مياهه.
وتعيش بعض انواع القروش في المياه الساحلية مثل فروش الوبيغونغ التي توجد في المياه الضحلة الشاطئية لأستراليا. وغالبا ما توجد في كهوف أو فجوات بالصخور المرجانية.
وثمة أنواع من القروش تفضل الحياة بعيدا عن السواحل، وهي بذلك تكف شرورها عن المصطافين، إذ إنها تكون قانعة بما يفيئه الله عليها من سكان أعالي البحار وعلى النقيض منها هناك انواع تترك البحار وتدخل الأنهار والبحيرات العذبة من أبوابها التي تفتح على البحر، مثل القرش الثور الذي يعرف في فرنسا بالقرش ماكو Mako ويشبه رأس هذا القرش رأس الثور. وهو عدواني سريع المناورة. ويبلغ طوله نحو أربعة أمتار، ويبتلع فرائسه دفعة واحدة. وقد عثر بعض الصيادين في البحر الأدرياتيكي على هذا القرش الثور.
وحين شق بطنه ليستخرج ما فيه من الضحايا عثر على سمكة أبي سيف بحالة سليمة وكاملة، برغم أن وزنها ۵۰ كيلوجراما ولم تكن سمكة السيف ذات السيف الصارم تشكو من شيء غير ضغط مصران القرش الثور على جنبيها ويطلب القرش الثور رزقه في كل مكان يمكن أن يصل إليه. وقد صيدت فروش الثور في نهر الأمازون بالبرازيل، وفي نهر الجانج بالهند، وفي نهر الميسيسبي بالولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أطلق الإنسان أسماء الحيوانات على انواع مختلفة من القروش وقد سبق أن أشرنا إلى كتب الليم وفرش الثور. وهناك فروش حيوانية أخرى مثل القرش النمر، والقرش القلب والقرش الثعلب والقرش القط، والقرش الفار.
والقرش النمر معروف بمهاجمته للإنسان إذا وجد في الماء، ولهذا يجب الاحتراز منه جيداً أثناء السباحة. وهو يتبع السفن كظلها حتى مداخل الموانئ لعل ركابها يلقون إليه بشطيرة (هامبرجر)، أو لعل ربابنتها يلقون إليه بمجرم من مجرمي البحر كما أنه يتبع أسراب الأسماك حتى شباك الصيادين، وهناك يأتي على ما فيها جميعا، ثم يمزق الشباك إربا وينثني قافلا؛ ومن الطريف أن هذا النمر يسمى في سوريا بالكلب الأزرق لأنه أزرق اللون. وهو يعيش في المحيطات المفتوحة والمياه الساحلية الضحلة وحول الجزر وفي البحيرات الشاطئية. وفي حالة تعرض الإنسان لمهاجمته، يجب أن يتلقى المصاب الإسعافات الأولية اللازمة لوقف النزيف ثم معالجته طبياً بالمستشفى .
أما القرش الذئب فهم بعد من أقوى أنواع القروش وأكثرها سرعة وأشدها مراسا وغدرا. وهو لا يكتفي بمهاجمة السباحين بل يهاجم قوارب الصيد الصغيرة فإذا نجح في قلب قارب أجهز على من فيه وما فيه. ولكنه إذا وقع في الشرك لا يستسلم بسهولة، بل يظل يقاوم ويقاوم بالقفز عاليا في الهواء، وكثيرا ما ينجح في الفكاك من الأسر.
وبالنسبة للقرش الثعلب فقد سمي بذلك لطول ذيله (كالثعلب). وهو فرش ضخم يصل طوله إلى ستة أمتار، ويمثل الذيل وحده نصف هذا الطول وهو يستخدم الذيل في جلد الماء المحاصرة أسراب الأسماك التي يتغذى عليها مستخدما أسنانه المثلثة الملساء، ولا يتحرك القرش الثعلب بمفرده، بل غالبا ما يرى ومعه أنثاه، إذ يشكل الزوجان معا ثنائيا خطرا حين يتعاونان معا على الصيد والعدوان ومحاصرة سرب الأسماك.
والقرش القط cat shark يتصف بصغر حجمه قياسا بالقروش “الحيوانات” السابقة فطوله لا يزيد على سبعين سنتيمترا، وذيله ليس في جمال ذيل القرش الثعلب ولا في طوله بالنسبة إلى جسمه). وتغطي جسده بقع سود او بنية داكنة تميل أحيانا إلى الاحمرار. وهذا النوع يسمى في فلسطين بالبس وتعد عائلة القط من أكثر عائلات القروش تعدادا، فأجناسها تتجاوز ثمانين نوعا. ولا يهاجم البس الإنسان، فهو يقنع ويرضى بالصغار، إذ يقتات على الأسماك الصغيرة والأصداف والقشريات التي تعيش في قاع البحر.
ومن الطريف أن القرش القط اقل طولا من القرش الفار، فالأخير يبلغ طوله ضعف الأول من ۱۵ إلى ۱۸ متر). ولون القرش الفار مثل لون جلد الفار، فهو رمادي داكن، وفي بعض الأحيان يكون منقطا بنقط سود متناثرة، وهو يعيش على القيعان الرملية الموحلة، ويحب الرقص على إيقاعات الطبول في منتصف الليل ويعرف الصيادون ذلك فيقرعون له الطبول، ويلقون إليه الشرك، فيخرج القرش الفار من مرقده راقصاء وينجذب نحو مصدر الاهتزازات، فيقع في المصيدة وأنثى القرش الفار تنافس القارة القارضة في عدد ذريتها، فهي تلك كما كبيرا، يصل إلى ثلاثين صغيرا. وتضع كل ذات حمل من هذه الإناث من ٤ إلى ١٠ فروش، يبلغ طول كل منها عند الولادة 30-35 سنتيمترا. وحين تقع الأنثى في الشرك تدفع اجدتها إلى الماء، فقد تعيش افلاذ كبدها إن كان موعد ولادتها قريبا.
إنها غريزة الأمومة والمحافظة على النسل. ويباشر القرش الفار الصغير السباحة بمجرد ان تقذفه أمه في اليم، وكيس الملح ما يزال عالقا به.
القرش الأبيض أكل لحوم البشر
يعد هذا النوع أكثر أنواع القروش خطورة وهو يفضل المياه العميقة، ويعيش في بحار المناطق المعتدلة وفي المياه الباردة على حد سواء. ويصل طوله إلى أحد عشر مترا. أما وزنه فهو جد ثقيل. وقد جيء بقرش أبيض طوله سبعة أمتار فكان وزنه ۲۲۰۰ كيلو جرام. ويسبحالقرش الأبيض بقوة وفتوة. ويساعده شكله الانسيابي على التحرك السريع والمربع بمجهود قليل فجسمه رشيق أنيق مثل الطوربيد، ولهذا فإنه يشق عباب الماء شقا ولعل مصممي الطوربيد قد استلهموا شكل طوربيدهم من هذا الأميرال البحري.
وأخطر ما في القرش الأبيض أسنانه فهي حادة كالموسى، وإذا فقد سنا بدأت غيرها في الظهور خلال ٢٤ ساعة فقط. ويفترس القرش الأبيض الحيوانات الكبيرة وأنواع القروش الأخرى، كما يفترس الإنسان. وقد اشتهر باسم (آكل البشر).
ويقول علماء الأحافير إن القرش الأبيض وأقرانه من الأنواع الأخرى يستوطنون محيطات الكرة الأرضية وبحارها منذ أكثر من ١٣٥ مليون سنة وقد عثر على سن قرش أبيض من أجداد القروش الحالية طولها خمس بوصات (۱۲,۷) سنتيمترا). ومن الجدير بالذكر أن القرش الأبيض الذي يصل طوله إلى ۲۰ قدما يزيد طول كل سن من أسنانه على 5 بوصات.
عينه في قرنه
لا يفوتنا أن نتحدث أيضا عن مصاص دماء اخر هو فرش راس المطرقة، الذي يعد من أكثر أنواع القروش غرابة في المنظر فله رأس مفلطح مسطح يمتد باتجاهين، بحيث يصبح شكله من أعلى أو من أسفل كشكل المطرقة أو حرف (1) في اللغات المنبثقة من اللاتينية وتقع عينا قرش المطرقة في نهايتي امتداد أطراف الرأس، ولكل عين غشاء رامش وهو قرش مفترس كما سبق أن ذكرنا. وبسبب وجود عينيه في طرفي راسه يمكن له أن يرى من امامه ومن خلفه، وقمه مثل حدوة الحصان، ولكنه يخفي اسنانا منشارية حادة. وكلما فقد منها سنا، بسبب سوء الاستعمال، نبتت له سن أخرى أكبر من السن المفقودة. ويقضي القرش ذو المطرقة معظم النهار بالقرب من الشاطئ، ويتحرك إلى داخل البحر ليلا بحثاً عن فريسته. وبعد هذا النوع من القروش شديد الخطورة على الإنسان، وبخاصة هؤلاء الذين يغوصون في البحر ويقتربون من مكان وجوده ويجب أن يتلقى المصاب الإسعافات الأولية اللازمة لوقف نزيف الجرح الذي يحدثه هذا النوع من القروش، ثم معالجته بالمستشفى.
إذا عرف السبب بطل العجب
على الرغم من الصورة المرعبة لمعظم أنواع القروش فإن الأمانة العلمية تقتضي منا أن نشير إلى أن هذه الحيوانات لا تخلو من فوائد فلحوم أغلب أنواعها جيدة وقليل منها يتسبب في الإصابة بنزلات معوية أما أكبادها فغنية بالزيوت ذات القيمة العالية. وحتى أواخر أربعينيات القرن العشرين كان زيت كبد فرش الحوت هو المصدر الأساسي لفيتامين (أ). وقد يتعجب القارئ حين يعلم أن كبد القرش يمثل ربع وزنه.
ويصيد البحارة اسماك القرش من اجل جلودها وزعانفها. فبعد نزع الحراشف القشور) من جلد القرش يمكن تصنيع منتجات فاخرة من هذا الجلد. كما بعد الصينيون من زعانف القرش حساء غالي الثمن يعتقد أنه يعيد الفحولة إلى من فقدها.
ومنذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين استخدمت القروش بكثرة في مجال البحث العلمي، وعني بها الباحثون المهتمون بالدراسات الطبية عناية فائقة. وإذا عرف السبب بطل العجب فالتركيبة الكيميائية والهرمونية لهذه المخلوقات الشرسة فريدة في نوعها. فالقرش لا يصاب بأي مرض، ولا يحدث أبدا أن يجد الورم السرطاني إلى جسمه مدخلا، بل إن هذا الكائن الغريب العجيب يخلو تماما من أية فيروسات، وإذا تمكن أهل العلم من فك أسرار هذا الفك المفترس فلعلهم يستفيدون منها في علاج مرضى البشر.
مكتبة البيئة
الإستراتيجية الوطنية للبيئة في مملكة البحرين(1)
من الأركان الرئيسية لنجاح العمل البيئي وتحقيق التنمية البيئية المستدامة، وضوح الرؤية والمنهج لدى جميع الجهات المعنية بحماية البيئة وثرواتها الفطرية الحية وغير الحية، ويأتي ذلك من خلال وضع الاستراتيجيات المناسبة والعملية والشاملة. وتحديد الأهداف القريبة والبعيدة المدى، ثم وضع البرامج التنفيذية الملائمة والخطط الكفيلة بتحقيق التطبيق الواقعي لهذه الاستراتيجية.
وقد أكد دستور مملكة البحرين في مادته الحادية عشرة على أهمية حفظ الدولة لثرواتها الطبيعية وحسن استثمارها، كما أن ميثاق العمل الوطني لهذه الدولة اوضح اهتمامها بوضع البيئة لمنع ومعالجة المشكلات البيئية الكبرى، وقد نصت المادة (۹) (ح) من دستور مملكة البحرين على أن تأخذ الدولة التدابير اللازمة لصيانة البيئة والحفاظ على الحياة الفطرية.
وانطلاقاً مما سبق، قامت الإدارة العامة لحماية البيئة والحياة الفطرية في مملكة البحرين بالتعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية كالوزارات والهيئات من جهة والجهات غير الحكومية من مؤسسات المجتمع المدني والأفراد من جهة أخرى، إضافة إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمشاركة في إعداد الإستراتيجية العامة لحماية البيئة التي تغطي جميع القطاعات التنموية بالدولة.
وكان قد تم توقيع اتفاقية التعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والإدارة العامة لحماية البيئة والحياة الفطرية بالدولة لوضع إستراتيجية وخطة عمل وطنية للبيئة في مملكة البحرين. وأثمر ذلك في إعداد الإستراتيجية التي سوف تحدث تغييراً نوعياً في إدارة البيئة، وتسهم في تحقيق أهداف الألفية الثالثة على صعيد مملكة البحرين.
- وقد اشتملت الإستراتيجية الوطنية للبيئة في مملكة البحرين على القطاعات التالية:
- الهواء
- المياه
- استخدامات الأرض والزراعة
- البيئة البحرية والساحلية
- صحة البيئة
- النفط والصناعة والطاقة
- التوعية البيئية، والسياحة
- التنوع الحيوي
ونظراً إلى خصوصية السمات الطبيعية الجغرافية في مملكة البحرين. حيث إنها إحدى الدول الجزرية الصغيرة (يقدر عدد سكانها بنحو ۷۰۷۲ الف نسمة – حسب أرقام ٢٠٠٤م) وبالاطلاع على مستويات مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية فيها، وخصائص منظوماتها البيئية الحساسة، ورقعة اليابسة المحدودة ، فقد بينت الإستراتيجية – بإيجاز – الترابط والعلاقات المتبادلة بين البيئة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، بحيث تستند الرؤية المستقبلية للبيئة إلى تلك الخصوصية ، بهدف الحفاظ على استدامة التنمية البشرية ، والنمو الاقتصادي ، والموارد الطبيعية، ومنع التدهور البيئي واستنزاف تلك الموارد، لتتم ترجمتها لاحقا في خطة العمل البيئي إلى مشروعات وإجراءات بيئية تعتمد على تنمية الإدارة البيئية السليمة في تطبيقاتها، وتعزيز تطوير آلية فاعلة للرقابة البيئية ، تسهم فيها شرائحالمجتمع البحريني ومنظماته الأهلية كافة انطلاقاً من المبادئ الآتية :
- اتخاذ الإجراءات الاحترازية لمنع التدهور البيئي.
- تغريم الملوث أو الذي يسبب ضرراً بيئيا.
- اتباع المنهج التشاوري التشاركي.
ونظراً إلى أهمية تقوية الجانب المؤسسي والتشريعي في هذا المجال، إضافة إلى تفعيل القرارات البيئية بصورة كافية، فقد تناولت الإستراتيجية أهمية بناء القدرات المؤسسية والتشريعية البيئية وتعزيزها، ثم تطرقت إلى الواقع الحالي للوسائط البيئية التي يعيش فيها الإنسان ويستفيد منها، وهي المياه والهواء واستخدام موارد الأراضي والبيئة الساحلية والبحرية، ثم تطرقت إلى المواضيع المتقاطعة وهي السياحة والبيئة، والنقل والبيئة ، وإدارة المخلفات والنفايات العامة الناتجة عن أنشطة قطاعات النفط والصناعة والطاقة، بصفتها أكبر مصدر لتوليد النفايات والمخلفات الغازية والصلبة والسائلة في البحرين.
وقد ادى اكتشاف النفط في مملكة البحرين عام ۱۹۳۲م وما صاحبه من تغير في مستوى المعيشة، وأنماط الحياة، ونوع التغذية، إلى توسع عمراني لم يعد معه وجود الحدود واضحة بين القرية والمدينة، وساعد على ذلك تدهور الأراضي الزراعية، وامتد العمران إلى السواحل، فدفنت مساحات شاسعة منها، حتى بلغ معدل الزيادات في مساحة البحرين نحو اره كيلو مترات سنويا. وشكل إنشاء جسر الملك فهد عام ١٩٨٦ م طفرة نوعية في عدد زوار البحرين، مما أسهم في تسارع النمو في نشاط القطاع السياحي والقطاعات المرتبطة به، وأسهم في تغير أنماط المعيشة وطبيعة العلاقات الاجتماعية، وقد القت هذه التغيرات بظلالها على الأوساط البيئية والموارد الطبيعية فازدادت المشكلات ومصادر التلوث والاستنزاف في ظل المساحة المحدودة للمملكة.
وحيث إن الإنسان هو محور التنمية ووسيلتها وغايتها، فإن الحفاظ على البيئة واستدامة مواردها. هما التحدي الأساسي في إستراتيجية بيئية تكفل استدامة النمو الاقتصادي مع الأخذ في الاعتبار معدل النمو السنوي للسكان (۲۷)، (بين تعدادي ۱۹۹۱ و ۲۰۰۱م) ، ومحدودية رقعة اليابسة، حيث أن الكثافة السكانية تبلغ (۹۵۰نسمة / كم ) ، وهي الأعلى بين دول العالم.
ولقد حققت مملكة البحرين – خلال الأعوام القليلة الماضية – إنجازات ملحوظة في مجال التنمية البشرية، حيث احتلت – ولأكثر من عام – المركز الأول على مستوى الدول العربية، والمركز الـ ٣٧ على المستوى العالمي لعام ٢٠٠٥م. كما أن اهتمام الدولة بتعزيز الشباب في قضايا البيئة انعكس جليا بتخصيص محور مستقل للبيئة ضمن محاور الإستراتيجية الوطنية للشباب، ليعزز مفهوم مساهمة الشباب في التوعية البيئية.
وإذا نظرنا إلى المؤشرات الصحية نجد أن الإحصاءات تشير إلى أن نسبة الأطفال الذين يتم تطعيمهم ضد أمراض الطفولة الخمسة (شلل الأطفال، والسعال الديكي، والحصبة الألمانية، والتيتانوس، والدفتيريا) وصلت إلى ٩٩,٩ % عام ٢٠٠٢م.
وفيما يختص بالتعليم تقوم حكومة البحرين بتشجيع التعليم، حتى وصلت نسبة الالتحاق إلى ١٠٠% في المرحلة الابتدائية في العام الدراسي ۲۰۰۲/۲۰۰۱م و ۷۲,٤ × في المدارس الثانوية.
ويكمن التحدي الأساسي امام البحرين في الارتقاء بمحتوى مراحل التعليم جميعها إلى مستويات متطلبات القرن الحادي والعشرين بما في ذلك التعليم البيئي وتحسين نوعية وكمية المواد التعليمية ولا سيما تلك المواد المرتبطة بالمعلومات، والتكنولوجيا، والعلوم التطبيقية، بما يفي بحاجة سوق العمل المحلي.
وتجدر الإشارة إلى أن المرأة البحرينية تؤدي دوراً مهماً في القضايا البيئية المختلفة، ولا ينحصر ذلك في مجال التعليم البيئي والتوعية البيئية في المدارس، والتربية البيئية للأطفال في المنزل فحسب، بل يتعدى ذلك فعلياً إلى الانخراط في الجمعيات والمنظمات الأهلية بصورة عامة، والمنظمات البيئية المتخصصة، وفي الوظائف البيئية والتوعية البيئية في القطاعين الحكومي والخاص. ونظراً إلى هذا الدور المهم للمرأة في مجال البيئة، فقد أفرد المجلس الأعلى للمرأة محوراً مستقلاً (المحور السابع) في الإستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية ، ركز فيه على توعية المرأة ، وتعزيز قدراتها، وضمان مساهمتها في المحافظة على البيئة ، ومساهمتها في الإدارة السليمة لترشيد الموارد الطبيعية ، وخصص المجلس ايضاً لجنة خاصة من لجانه الدائمة ، سميت لجنة الصحة والسكان والبيئة ، تركز على دور المرأة في الحفاظ على البيئة ومواردها الطبيعية واستثمار دور المرأة في تربية النشء بانتهاج السلوك البيئي الرشيد .
المبادئ المستقبلية للتنمية البشرية والبيئية
تعتمد الإستراتيجية الوطنية في مملكة البحرين على المبادئ الآتية:
- تحسين الوضع الحالي للبيئة.
- اتخاذ الإجراءات الاحترازية لمنع التدهور البيئي.
- تغريم الملوث أو الذي يسبب ضرراً بينيا.
- مبدأ الشراكة.
وتعتمد اليات تنفيذ السياسات البيئية وإجراءاتها على ما يلي:
- الزام تقويم دراسة التأثيرات البيئية للمشروعات في اثناء التخطيط لها، وعند تنفيذها وبعد تشغيلها.
- الأخذ بالإدارة البيئية السليمة ومبادئها في الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية البحرية، والأخذ بالية تثمين (وضع قيمة للموارد البيئية في الأنشطة المختلفة، وتبيان كلفة التدهور، وكلفة إعادة تأهيل البيئة إثر ذلك.
- تعزيز الجهاز البيئي، وتقوية القدرات المؤسسية والتشريعية فيه.
- مشاركة المواطنين في الرقابة البيئية، وفي اتخاذ القرارات – عبر المنظمات الأهلية ومجالس البلديات – بشأن إدارة الموارد البيئية في مناطقهم وتنميتها باستدامة.
- إعطاء الاهتمام والأولويات لمعالجة التأثيرات الضارة للملوثات البيئية في صحة البيئة بصورة عامة، وفي صحة الإنسان على وجه الخصوص.
- اتخاذ التدابير اللازمة سريعا للحد من استمرار التدهور البيئي، ولحماية الحزام الأحضر والمعالجة المشكلات البيئية في المناطق الحساسة، مثل: خليج توبلي، والمعامير، والحد، وغيرها من المناطق التي ازدادت فيها حدة الأضرار البيئية.
- توسيع إنتاج مياه الصرف الصحي المعالجة، وتوسيع استخدامها.
وعلى الرغم من حداثة ربط الشئون البيئية مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن مملكة البحرين أصدرت – خلال العقود الثلاثة الماضية – العديد من التشريعات والقوانين والمراسيم الملكية السامية والقرارات الوزارية لتنظيم استخدام الموارد الطبيعية للبيئة. والمحافظة على استدامتها كي تواكب التطورات المتسارعة في الاستثمارات التنموية، وشملت هذه القوانين والمراسيم والقرارات تنظيم الجهاز المختص بشؤون البيئة. والتصديق على الاتفاقيات البيئية الإقليمية والدولية.
كما أن التشريعات البيئية في مملكة البحرين تتضمن العديد من القوانين والقرارات والاتفاقيات الخاصة المرتبطة بالبيئة أو باستخدام الموارد البيئية. وتندرج تحت إطار اختصاصات الوزارات والأجهزة التنفيذية الأخرى.
الإدارة العامة لحماية البيئة والحياة الفطرية
بموجب المرسوم الأميري رقم (۷) ، الصادر في اغسطس ۱۹۸۰م ، انشأت البحرين لجنة حماية البيئة ، وقد شكلت السكرتارية الفنية لحماية البيئة كجهاز تنفيذي للجنة ، وهو الأمر الذي عكس الاهتمام بكر لدى القيادة السياسية بالشؤون البيئية . . شارع النمو الاقتصادي في المملكة بدا جلياً أن الإدارة البيئية السليمة، وتنظيم الاستفادة بصورة مستدامة من الموارد الطبيعية هما الضمان الاستدامة التنمية الاقتصادية وتحسين المستوى المعيشي ونوعية الحياة لدى المواطنين. وبناء عليه صدر المرسوم بقانون رقم (٢١) لسنة ١٩٩٦م بشأن البيئة، الذي تنص المادة الـ (۳) منه على ما يأتي:
يتولى جهاز البيئة إصدار القرارات والتعليمات في جميع المسائل التي تختص بالبيئة، ويمارس جميع الصلاحيات والسلطات اللازمة لذلك، وعلى الأخص في:
- وضع الخطط والسياسات، والإشراف على تنفيذها بما يحقق أغراضه …
- المشاركة في رسم سياسة الأبحاث العلمية المتعلقة بالبيئة، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة.
- طلب البيانات التي يراها ضرورية من أية جهة تمارس نشاطاً قد يؤدي إلى تلوث البيئة أو تدهورها.
- دراسة العقود والاتفاقيات التي تقر حقوقاً لجهاز البيئة أو ترتب التزامات عليه.
- لاختصاصات الأخرى المنصوص عليها في هذا القانون.
وفي عام ٢٠٠٢م صدر المرسوم رقم (٤١) لسنة ٢٠٠٢م بشأن تنظيم الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية، ثم المرسوم بقانون (٥٠) لسنة ٢٠٠٣م بشأن إنشاء الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية بعد ذلك ليضم كل الجهات ذات العلاقة بالبيئة تحت مظلة واحدة، ونصت المادة (٤) من المرسوم رقم (۲۱) لسنة ١٩٩٦ بشأن البيئة على أن الجهاز البيئة في سبيل تحقيق أهدافه التعاون والتنسيق مع الجهات المعنية للقيام بـ.
- إعداد مشروعات القوانين، والتشريعات، وإصدار النظم التي تحقق سلامة البيئة وحمايتها وتطويرها.
- اقتراح الخطط والسياسة العامة لشئون البيئة على مستوى الدولة، وبحثها ودراستها.
- دراسة الخطط على مستوى الدولة ومناقشتها ومناقشة السياسات التي تضعها الوزارات أو الهيئات أو المؤسسات أو الشركات التي تمارس نشاطاً قد يؤثر في البيئة، واقتراح الحلول لأية مشكلات أو معوقات بيئية تواجه هذه البرامج والمشروعات.
- وضع الاقتراحات والحلول لأية أمور أو مشكلات ذات علاقة بالبيئة، تحال إليه من مجلس الوزراء أو من اية جهة أخرى رسمية أو غير رسمية في الدولة وبحثها ودراستها.
- إجراء أو الإشراف على أبحاث ودراسات شاملة عن التلوث ومراقبة أثاره السلبية في الصحة والبيئة واتخاذ جميع الإجراءات الوقائية والوسائل اللازمة الممكنة للحد من التلوث البيئي بجميع أشكاله ومنع التدهور البيئي.
- وضع الأسس اللازمة لربط الاعتبارات البيئية بسياسة التخطيط والتنمية على مستوى الدولة وذلك بإدخال مفهوم الإدارة البيئية كجزء لا ينفصل عن السياسة المقررة في التخطيط المشروعات التنمية وتنفيذها ومتابعتها، والتي تتولى تنفيذها الأجهزة الحكومية أو القطاع الخاص عن طريق تقويم المردود البيئي للمشروعات.
- مراقبة الأنشطة العامة والخاصة التي تؤثر بشكل سلبي في البيئة.
- دراسة طبيعة التربة والمياه والطاقة، واقتراح وسائل المحافظة عليها من التدهور وانخفاض كفاءتها، وذلك عن طريق الضوابط اللازمة للحد من سوء استخدامها أو استنزافها.
- دراسة طبيعة المناطق الساحلية والبيئة البحرية، واقتراح حماية مواردها وتنميتها وتطويرها.
- اقتراح الإجراءات الوقائية الخاصة بالحد من التلوث البحري من النفط والمواد والأنشطة الضارة الأخرى وتطويرها، وتدريب القوى العاملة وتأهيلها لتنفيذ خطط مكافحة التلوث.
- إنشاء مختبر مرجعي للبيئة، وتوفير الكادر الفني والمعدات اللازمة لتشغيله.
- تحديد ومراقبة الضوابط والحدود المسموح بها المستوى انبعاث المواد الملوثة للبيئة وتركيزها فيها.
- العمل على تنمية الاهتمام بالنواحي التربوية والإعلامية والاجتماعية والثقافية لزيادة الوعي البيئي وتطويره، ومن ثم تمكين المجتمع من المساهمة الفعالة لتحقيق الأهداف المرجوة للحفاظ على البيئة وتطويرها.
- وضع الخطط والبرامج اللازمة لتدريب الكوادر الفنية، وتأهيلها في مجال شئون البيئة وإجراء حصر شامل المشكلات الاستيطان البشري، وتتبع آثار تطور الظروف الاقتصادية والاجتماعية على التجمعات البشرية واثرها في البيئة، واقتراح البرامج التي توفر الحلول المناسبة ووضعها موضع التنفيذ.
- وضع النظم الكفيلة بجمع البيانات والمعلومات وتحليلها وتبادلها والاستفادة من معاهد البحوث والمنظمات والجمعيات المتخصصة في مجال شئون البيئة سواء داخل الدولة أو خارجها.
- دراسة الاتفاقيات الدولية والإقليمية والعربية المعنية بشئون البيئة، وإبداء الرأي بالنسبة للانضمام إليها. وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية.
- التنسيق مع الجهات المعنية في علاقات الدولة بالمنظمات الدولية والإقليمية والعربية المعنية بشئون تحديد الضوابط المتعلقة بالاستيراد والتعامل مع المواد الكيماوية والمشعة ومراقبة تطبيقها.
- وضع الأسس اللازمة للإدارة السليمة للمخلفات الصناعية والطبية والمنزلية.
- السعي لتحقيق التنسيق على الصعيدين الإقليمي والدولي، لتحقيق سلامة البيئة وحمايتها وتطويرها.
الوسائط البيئية وإدارة الموارد الطبيعية
تنطلق الإستراتيجية البيئية من أهمية الحفاظ على الوسائط البيئية التي يعيش فيها الإنسان على اليابسة من هواء وموارد أرضية، والنظر إلى أوضاعها البيئية الراهنة بموجب المعطيات والمعلومات المتوافرة حالياً، والإدارة السليمة للموارد والبيئات الطبيعية ، مثل البيئات البحرية والساحلية، والمحميات الطبيعية، والثروة الطبيعية، والثروة السمكية، والحفاظ عليها والاستثمار الأمثل لها بهدف ضمان استدامتها.
1. الهواء
شهدت مملكة البحرين خلال العقدين الماضيين تطوراً حضارياً وتنموياً في قطاعات عديدة منها، قطاع الصناعة والمواصلات والسياحة. وقد أدى هذا التطور إلى تنوع وزيادة مصادر التلوث الجوي والأوساط المتأثرة بها. وحاليا يشكل قطاع النقل والصناعة، وعمليات توليد الطاقة وتحويلاتها، المصدر الرئيسي لتقاقم مشكلة تلوث الهواء في مملكة البحرين، وحيث إن صحة الإنسان وسلامته ورفاهيته هي المحور الأساسي لسلامة البيئة وصحتها، فقد كانت جودة الهواء وسلامة الغلاف الجوي من المواضيع الأساسية في وضع الاستراتيجية البيئية.
القضايا البيئية الرئيسية
تكمن القضايا البيئية الرئيسية في قطاع الهواء فيما يأتي:
- نقص المعلومات لبعض الملوثات، وقلة عدد محطات قياس جودة الهواء (حالياً توجد خمس محطات رصد متنقلة).
- نقص الكوادر الفنية المتخصصة في مجال تلوث الهواء.
- قلة البحوث في مجال التأثيرات الصحية لتلوث الهواء، وكذلك الخاصة بتقنيات الإنتاج الأنظف.
- تداخل المناطق الصناعية والمناطق السكنية مما يزيد من احتمالات تعرض السكان للملوثات الهوائية.
- تدني جودة الهواء بسبب الانبعاثات الناجمة عن توليد الطاقة وتحويلها، وانبعاثات القطاع الصناعي، وعوادم المركبات وبخاصة المركبات ذات محركات الديزل التي تطلق سناجا أو سخاماً).
- ارتفاع نسبة الجسيمات الصلبة في الهواء، بسبب مواقع البناء، والتعمير، والكسارات، وقلة الغطاء النباتي والتصحر، والعواصف الرملية التي تتعرض لها المنطقة.
- الافتقار إلى نظام إنذار مبكر لتلوث الهواء في البحرين.
وتهدف الرؤية الإستراتيجية لقطاع الهواء بشكل عام إلى حماية صحة الإنسان على أرض مملكة البحرين من الملوثات الهوائية، عن طريق منع انبعاث الملوثات أولاً، ثم خفض نسب الملوثات الهوائية إلى الحدود المسموح بها. وتقليل احتمالات تعرضه لها إلى المستويات الدنيا، ولكي تصاغ هذه الإستراتيجية لا بد لها أن تستند إلى:
- وجود عدد كاف من محطات رصد الملوثات الهوائية المقيسة وعددها وتوزيعها المكاني، لتشمل مناطق البحرين كافة.
- وجود القدرات الوطنية المؤهلة في مجال قياس جودة الهواء والتلوث وتحليلها.
- وجود الدراسات البيئية – الصحية التي تشمل تأثير الملوثات الجوية في صحة الإنسان، وخاصة في المناطق السكنية الواقعة تحت تأثير الملوثات الغازية للمناطق الصناعية (مثل مناطق المعامير وسترة وجو والحد) وربط التأثيرات الصحية على الإنسان وإنتاجيته والتكاليف التي تتحملها الدولة على هيئة رعاية صحية.
- وضع القياسات التنبؤية لمستويات التلوث والتجاوزات المتوقعة.
- وجود التشريعات الخاصة بإلزام الشركات والمصانع بتقديم المعلومات البيئية المطلوبة ومؤشرات التلوث الهوائي.
ان استخدام الإستراتيجية البيئية المملكة البحرين تستند إلى المعايير الخاصة بالملوثات الهوائية التي أصدرتها الإدارة العامة لحماية البيئة والحياة القطرية، وإلى سلسلة معطيات نسب مكونات التلوث من مصادر الانبعاثات الغازية المختلفة، والأرقام التي سجلتها محطات الرصد مدة تزيد على عشرة أعوام، وأعداد التجاوزات للسقوف العليا المسموح بها وحجمها.
الرؤية الإستراتيجية
هناك ضرورة قصوى لبناء قاعدة معلومات عن الملوثات الهوائية، وآثارها البيئية والصحية في مملكة البحرين لتشكل حجر الأساس للإستراتيجية البيئية وتوجهاتها العامة، ونظراً إلى غياب الدراسات التي تربط بين الملوثات الهوائية ومصادرها وتأثيراتها الصحية على الإنسان في مملكة البحرين، فإن الإستراتيجية البيئية تؤكد اتخاذ الإجراءات الرئيسية الآتية في مجال جودة الهواء:
- التركيز على العنصر البشري، وبناء القدرات الوطنية وتعزيزها في جهاز البيئة المسئول عن جودة الهواء من خلال تعزيز تدريب الكوادر الفنية المتخصصة في هذا المجال.
- القيام بالدراسات البيئية – الصحية لتأثير الملوثات الجوية في صحة الإنسان وبخاصة في المناطق السكنية الواقعة تحت تأثير المناطق الصناعية، وذلك من خلال إتاحة الفرصة للأطباء والباحثين لوضع الدراسات بشأن العلاقة بين الملوثات الهوائية والأمراض الناتجة عنها، ووضع الدراسات التفصيلية عن الهيدروكربونات والجسيمات الصلبة، وعلاقات الملوثات الجوية بالأمراض السرطانية والجلدية وغيرها من الأمراض المحتمل حدوثها نتيجة التعرض المستويات عالية من الملوثات الجوية فترات طويلة.
- تحديث شبكة مراقبة الملوثات الهوائية وتوسعتها في مملكة البحرين، ويشمل ذلك التصميم المكاني والزماني، واللونات الغازية المطلوب قياسها بالمحطات.
- وضع قياسات تنبؤية المستويات التلوث والتجاوزات المتوقعة، ووضع نظام إنذار مبكر لتلوث الهواء في مملكة البحرين.
- استصدار التشريعات الخاصة بالتقانات الملوثة للهواء وتلك المشجعة والمحفزة إلى استخدام التقانات النظيفة وإلزام الشركات والمصانع بتقديم المعلومات البيئية المطلوبة ومؤشرات التلوث الهوائي.
٢. المياه
بخلاف مجمل الموارد الطبيعية يتسم المورد المائي بأنه مورد حيوي إستراتيجي لا غنى للإنسان عنه، وفي مملكة البحرين يمثل الماء اخطر التحديات على الإطلاق نظراً إلى شح الموارد المائية وصلاته المباشرة بجهود التنمية بوجه عام، ولثنائياته المتعددة التي لا مهرب منها كثنائية المياه والزراعة، وثنائية المياه والأمن الغذائي وثنائية المياه والنمو السكاني ، وثنائية المياه والصناعة.
وثنائية المياه والصحة والبيئة. وتحتاج هذه الثنائيات المتعددة إلى الكثير من التفصيل في جوانب الإستراتيجية المائية الشاملة. وقد اقتصر الكتاب على عرض الجوانب الصحية والبيئية المرتبطة بقطاع المياه وحمايتها فقط. واشار الكتاب إلى أنه من الأهمية بمكان التوسع تفصيلاً في الإستراتيجية الشاملة لقطاع المياه في مملكة البحرين التي تهدف إلى استدامة المورد المائي ضمن استدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي مملكة البحرين، تبرز مشكلة المياه بشكل حاد وتحمل معها تحديات كبيرة، نظراً إلى محدودية الموارد الطبيعية والمالية من جهة، والكثافة السكانية ومعدل نمو السكان المرتفع من جهة أخرى، حيث تتزايد احتياجات النمو السكاني وإنتاج الغذاء والاحتياجات التنموية الأخرى بوتيرة ومعدلات تفوق قدرة المملكة على تطوير مواردها المائية، التي تنحصر في التحلية وإعادة الاستخدام حالياً.
وتبين المعلومات المتوفرة عن مصادر المياه في مملكة البحرين، واستخداماتها، والوضع البيئي الراهن لها، ومواضيع تحلية المياه ومياه الشرب، ومياه الصرف الصحي المعالجة وإعادة استخدامها، ضعف المنظومة الإدارية المسئولة، وعدم كفاية السياسات المائية المتكاملة. مع النهج التشاركي، والاعتماد حتى وقت قريب على جانب إدارة العرض وتعظيم المتاح من موارد مائية بدلاً من الاعتماد على جانب إدارة الطلب والمحافظة والترشيد.
القضايا البيئية الرئيسية
يمكن تلخيص أهم المشكلات البيئية من خلال المعطيات الحالية في قطاع المياه بما يأتي:
- التدني المستمر لنوعية المياه الجوفية، بسبب استنزافها وتملحها، وكذلك بسبب التلوث السطحي الناجم عن الأنشطة الإنسانية القائمة، وتقلص مناطق المياه الجوفية الصالحة للاستخدام المباشر.
- جفاف العيون الطبيعية بسبب استنزاف المياه الجوفية وتدهور البيئات والموائل الطبيعية للحياة الفطرية النباتية والحيوانية المصاحبة لها، وخسارة التنوع البيولوجي في هذه الموائل، بالإضافة إلى خسارة العديد من موائل الطيور المهاجرة التي كانت تعد العيون الطبيعية إحدى محطاتها الرئيسية.
- تملح الأراضي الزراعية المعتمدة أساساً على الري بالمياه الجوفية، وخروج العديد منها من دائرة الاستثمار بسبب تصحرها، وتحويلها إلى مناطق سكنية بسبب زيادة الطلب على الأراضي الإسكانية وارتفاع العائد الاقتصادي منها مقارنة بالاستثمار الزراعي.
- التدهور البيئي في محيط محطات التحلية وتوليد الطاقة على هيئة تلوث حراري وملحي وكيميائي للبيئة البحرية، وعلى هيئة انبعاثات غازية ناتجة من هذه المحطات.
- التلوث الهيدروكربوني والكيميائي لمياه البحر المستخدمة في التحلية، واحتمالات انتقاله إلى مياه الشرب.
- تذبذب نوعية المياه المنزلية، وارتفاع نسبة الملوحة في بعض مناطق البحرين إلى مستويات تفوق مواصفات مياه الشرب المعتمدة بالمملكة، وذلك بسبب زيادة الطلب البلدي على طاقة محطات التحلية، واللجوء إلى المياه الجوفية لتعويض العجز، وكذلك يسبب اعتماد بعض المناطق كلياً على المياه الجوفية.
- احتياج عملية استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في القطاع الزراعي إلى العديد من المعايير والإجراءات الاحترازية، والمراقبة المستمرة لضبط جودة المياه المستخدمة، بالإضافة إلى تدريب المزارعين على كيفية استخدام هذه المياه وفي أي المحاصيل المزروعة والمخاطر الصحية والبيئية التي قد تنشأ في حال اختلال نظام المعالجة والاستخدام، بالإضافة إلى وضع خطة للطوارئ في حال اختلال هذا النظام.
ويمثل عدم الوضوح الإداري في تحديد الجهة المختصة والمسئولة عن الجوانب البيئية والصحية الإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، ومراقبة نوعيتها وفي اتخاذ الإجراءات الاحترازية للمحافظة على الصحة والبيئة يمثل إحدى الثغرات الإدارية في المشروع.
- عدم تضمين المرسوم بقانون رقم ٢١ لعام ١٩٩٦ الخاص بالبيئة أي بند صريح حول المحافظة على المياه الجوفية من التلوث والافتقار إلى نص حول استخدام المياه المعالجة.
الرؤية الإستراتيجية
استناداً إلى المعطيات فإن الإستراتيجية البيئية لقطاع المياه تركز على أهمية الموضوعات الآتية:
- وضع استراتيجية شاملة خاصة بالمياه، مبنية على مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية (الكفاءة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة الإيكولوجية) بهدف الاستثمار الأمثل للموارد المائية من خلال المحافظة على نوعية المياه الجوفية، وحمايتها من التلوث، والعمل على استدامتها كمورد طبيعي وكمخزون إستراتيجي الحالات الطوارئ بمملكة البحرين.
- إحياء بعض العيون الطبيعية وبيئاتها الفطرية المحيطة بها، ويستوجب ذلك وقف استنزاف المياه الجوفية كي تستعيد مستوياتها المائية، وكذلك المحافظة على المناطق المحيطة بالعيون من الزحف العمراني والاستفادة منها في السياحة البيئية.
- توفير مياه الشرب بكميات كافية ونوعية جيدة مطابقة للمعايير الدولية والمحلية لمواجهة الطلب الحالي والمستقبلي على المياه، وإعطاء الأولوية للاستخدام الآدمي، ويستوجب ذلك ترشيد الاستهلاك وخفض الطلب البلدي من جهة، وبناء محطات التحلية من جهة أخرى.
- التخفيف من التأثيرات البيئية لمحطات إنتاج المياه والطاقة على البيئة البحرية والهواء، والحد منها وحماية محطات التحلية من التلوث البحري، وخصوصاً الهيدروكربوني في مياه المنطقة البحرية.
- وضع نظام مؤسسي وتشريعي المشروع إعادة استخدام المياه المعالجة، بحيث يضم جميع الجهات ذات العلاقة وعلى رأسها جهاز البيئة بصفته جهة مختصة ومسئولة عن الجوانب البيئية والصحية لإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، ومراقبة نوعية هذه المياه، واتخاذ الإجراءات الاحترازية للمحافظة على الصحة والبيئة، ومراجعة معايير الاستخدام بشكل دوري.
- رفع الوعي الماني البيئي بأهمية المياه والمحافظة عليها من الاستنزاف والتلوث واتباع النهج التشاوري /التشاركي مع جميع فئات المجتمع ذات العلاقة وخصوصاً مؤسسات المجتمع المدني البيئية في وضع وتنفيذ السياسات المائية وإدارة الموارد المائية وتنفيذ خططها.
- توحيد المؤسسات المسئولة عن إدارة المياه في مملكة البحرين وزيادة التنسيق بينها من جهة وبين جهاز شئون البيئة من جهة أخرى، ويستلزم ذلك مراجعة التنظيمات الإدارية والمؤسسية والتشريعية الراهنة.
- تعزيز التعاون المائي مع بلدان المنطقة البحرية وإيجاد السبل والآليات لتطوير المشاركة في إدارة المياه للأحواض الجوفية المشتركة.
من هنا وهناك
والأسماك تصوم أيضا
إذا كان المشهور عن الأسماك أنها تتنفس عن طريق الخياشيم، فإن هناك أنواعاً منها يطلق عليها الأسماك الرئوية، قد زودها الله بركات تتنفس عن طريقها الهواء الجوي، وهذه الأسماك تعيش في أنهار وسط إفريقيا ومستنقعاتها، وفي منطقة نهر الأمازون الجنوبية.
ومعلوم ان كلاً من الحرارة المرتفعة والجفاف في هذه المناطق المدارية تعمل على دخول كثير من الحيوانات في مرحلة من البيات الصيفي، وذلك لأنها لا تستطيع الصمود أمام هذه الظروف القاسية، فما يكاد موسم الجفاف يحل حتى تلجأ إلى القيام بصنع ملاجئ خاصة لها، وهي ملاجئ اشبه بالكهوف الرطبة والمبطنة من الداخل.
وبكل من هذه الكهوف توجد فتحة علوية صغيرة الدخول الهواء ويتم صنع هذه الكهوف في وحل القاع وعلى عمق نحو نصف متر، كما أن هذه الأسماك يحدث لها نوع من التأقلم الذاتي، فيفرز الجلد طبقة رقيقة متماسكة أشبه بغشاء السلوفان وهذا الغطاء يحيط بالجسم كله ويغلفه، وذلك لحكمة وفائدة عظيمة هداها الله إليها، الا وهي العمل على منع تسرب سوائل الجسم وجفافه خلال هذه الفترة.
وتظل هذه الأسماك صائمة عن الطعام والشراب خلال فترة الجفاف هذه، ويساعدها على اجتياز هذه المرحلة أنها تعمد إلى العمليات الحيوية اللازمة لحياتها فتخفضها إلى أدنى مستوى فكمية الدهون التي قد تترسب في أجسامها خلال فترة النشاط تعتبر الرصيد النهائي الذي يمدها بمقومات الحياة في اثناء هذه الفترة فينخفض معدل التنفس نظراً لقلة الحركة.
ومن الطريف في هذا الصدد، بل العجز هو أن طول فترة الصيام هذه تختلف طولاً وقصراً باختلاف الأعوام وباختلاف الأحوال. فحينما تهطل الأمطار الغزيرة مرة أخرى فإن هذه الأسماك تتسلل من مخادعها وتنفض عن اجسامها تلك القلادة الرقيقة الشفافة التي قد تسترت بهاء وتفطر على جرعات من الماء ريثما تجد أغذيتها المفضلة فتقتات عليها.
وأما إذا استمرت أحوال الجفاف، فليس امام هذه الأسماك إلا مواصلة الصيام، بل والبقاء في تلك الكهوف المظلمة، تسبح بحمد ربها وتقدسه، وتجار بالسنة حالها إلى الله كي يمدها بمدده.
واثبتت بعض الدراسات إمكانية استمرار هذه الأسماك صائمة طوال فترة جفاف استمرت أربع سنوات متتالية ومتواصلة والمدهش في هذا الموضوع حقاً هو ان هذه الأسماك بعد أن خرجت من بياتها الطويل الشاق قد باشرت نشاطها بحيوية كاملة مع عودة الأمطار وتباشير وفرة المياه والغذاء.
فإذا كان الله تعالى قد قص علينا في الكتاب المسطور قصة أهل الكهف الذين لبنوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، فهذه قصة من الكتاب المنظور تبين لنا في جلاء ووضوح أنه (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت).









